السلم. وكذلك الحكم ها هنا في هذه الشركة لما قدمناه من تجويز من له السلم بائعا نصفه، فيعتبر في هذا ثمن (1) الدين المبيع ما ذكرناه. وأما إن سأل له (2) في الشركة، فأنعم له بها المسؤول ثم بعد ذلك سأله أن ينقد عنه، فإن هذا ينبغي أيضا أن يمنع لما أشرنا إليه من كون ثمن الدين المبيع لا يجوز تأخيره بشرط أو غير شرط، وقع في أصل العقد. ومن شرطه صحة المناجزة كما قدمناه وبينا رتبته في تضمين المناجزة مع غيره فيما يشترط فيه التناجز. لكن ذكر ابن المواز فيمن أسلم في طعام فسأله رجل أن يشرك فيه فأنعم له، من بعد ذلك سأله أن ينقد عنه، فإنه يمنع من ذلك إذا كان قد نقد جميع الثمن. وأما إذا لم ينقد الثمن فإنه ذكر المنع من السؤال في النقد. وذكر في موضع آخر من كتابه (من ذلك) (3) جواز ذلك، وقدر أن هذا الذي تولى العقد إذا تولاه لنفسه، ولم ينقد ثمنه حتى سأله آخر في الشركة فأنعم له بها، فإن النقد صار عليه وكل من شركه. فكأنه تطوع بعقد وجب عليه للبائع، فلم يمنع من ذلك، كما لو عقد السلم شركة بينه وبين هذا حتى يصير كالوكيل به، فإنا قدمنا جواز النقد عن هذا الموكل، وكذلك ها هنا يقدر أنه إنما نقد عنه ما وجب لبائع الطعام عليه، وهذا النقد لا يتضح لأن الثمن إنما وجب لبائع الطعام على مشتريه الذي أسلم فيه، ولا يستحق مطالبة هذا الذي سأل في الشركة فيه بحكم مقتضى العقد.
ولو كانت هذه الشركة في طعام معين حاضر اشترط حين سؤاله في الشركة أن ينقد عنه، لكان هذا ممنوعا، لكون الثمن المؤخر أقل في القيمة من الثمن المنقود، فصارت الشركة انعقدت على خلاف رأس المال.
ولو سأله في الشركة فأنعم له بها ثم سأله بعد ذلك في أن ينقد عنه، لجاز ذلك؛ لأن تطوعه بالشركة إحسان ومعروف واتبع هذا "الإحسان بإحسان آخر
وهو النقد عنه. وقد قيل: إنه لا يجوز. وهذا إن كان قد نقد جميع الثمن، وكأنهما اتهما في هذا القول على أن يكونا أبطنا عقد الشركة على شرط النقد وأظهرا خلاف ذلك.
وإذ قد نجز القول في الممنوع من بيعه قبل قبضه من الأطعمة، وفي المرخص فيه، فليعلم أن البيع للطعام قبل قبضه لما نهى الشرع عنه وقع العقد فيه فاسدا لمخالفة الشرع. فإذا فسد وجب رده. فإذا كان الطعام المبيع قبل قبضه حاضرا ونقض البيع فيه رد بعينه إلى يد بائعه إن كان قبضه منه المشتري أو أبقاه في يديه إن لم يقبضه منه المشتري، وسقط الثمن عن المشتري إن لم يدفعه أو يرد إليه إن كان قد دفعه. وإن كان الطعام المبيع قبل قبضه غاب مشتريه بهذا الطعام ولم يمكن رده من يديه فإنا إذا نقضنا البيع بإخراج الثمن واشترينا به طعاما مثل الذي بيع قبل القبض (1) ذلك لبائع الطعام عروض طعامه الذي وجب رده عليه. فإن كان ما اشترى (2) باعه فقد تحقق الفسخ، ولا تراجع بين هذا المشتري والبائع. فإن نقص الثمن المأخوذ منه عن الطعام الذي نقصان رده عليه كان ما نقص من المكيل دينا على المشتري يطلب به إذا وجد. وإن كان الثمن المأخوذ يزيد على ما يشتريه من الطعام للبائع لم يشتر له من الثمن إلا مقدار ما باعه، ومما بقي من الثمن يوقف للمشتري الغائب. هكذا ذكر ابن المواز في كتابه، واقتصر على رد هذا الطعام إلى يد بائعه قبل أن يقبضه وهو (3) ممن باعه منه أيضا، وقدر أن هذا الكيل الذي رددنا له عليه الطعام المبيع يكتفي به عن قيل البائع له هذا الطعام الذي باعه منه؛ لأن البائع لم ينقد في بيعه، وإنما بقي عليه التوفية بالكيل ليتميز المبيع من ملكه، وينتقل إلى ضمان المشتري منه. وهذا الكيل الذي (أكيل قضى من مشتريه الغائب يقبض) (4) فيه بالكيل على
رده إلى يد البائع الثاني الذي باعه قبل قبضه، لكون هذا الكيل قد ميز له هذا الطعام من ملك البائع، وعلم به أنه قد استوفى جميع ما باعه منه البائع. (ولو رددناه إلى يد البائع الأول لم يقر في يده حل لغيره إلى هذا البائع الثاني الذي اشتراه منه) (1)، فلم يكن في هذه الإعادة إلى يد البائع الأول، فسقط اعتبارها ولم يأمر بها. لكن أمر بها في السليمانية على جهة الاستحسان، ورأى أن هذا الطعام، الذي يشترى بحكم القاضي على الغائب، إنما اكتيل بحق البائع الثاني حتى يرد إليه ما باعه بيعا فاسدا، ويتحقق النقض فيه والفسخ له. فإذا صار في يديه بقي ما كان على البائع الأول من التوفية، فيجب أن يرد ذلك إليه حتى يسلم إلى مشتريه فيكون حينئذ مشتريه كالبائع له بعد أن قبضه، وقدر في هذا القول أنا إذا رددناه إلى يد هذا البائع الثاني، وهو مشتريه الأول، وسلطناه على بيعه والتصرف فيه من قبل أن يصيره إلى يد البائع الأول، صرنا كالممكنين له من التصرف في الطعام وبيعه قبل قبضه. وقد روي في الحديث أنه عليه السلام نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشتري (2). وهذا يقتضي ظاهره ألا يمكن المشتري الطعام من بيعه حتى يكتاله عليه البائع، ويجري صاع البائع فيه، ثم من بعد ذلك يجري صاع المشتري فيه إذا باعه من آخر مكيل له عليه.