تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:

هذه اللفظة التي هي الشركة يصلح استعمالها في الشريك يجد من المال كل ذلك الجزء أو أكثر. لكن هذا الجزء إذا نص عليه ارتفع الاحتمال، مثل أن يقول: أشاركك بربع هذا المال. فإن لم ينص على هذا الجزء بل ذكر لفظ الشركة مطلقا فقد قال (1) في المدونة في رجلين اشتريا عبدا شركة بينهما،

فلقيهما رجل فقال: أشركاني معكما ... إنه يكون شريكا بالثلث، لأنه إنما أراد أن يكون كأحدهما. وهذا الجواب لا يعول عليه في إطلاق لفظ الشركة على ماذا يحمل من الأجزاء، لأنه ذكر في الكتاب أنهما أرادا أن يكون العبد بينهم على المساواة، والمساواة لا يكون له بأن يكون بينهما العبد وقد (1) ... أن الشركة إذا قدمت بذكر جزء صير إليه. وهذا إن أراد أن يكون كأحدهما صار ذلك كالنطق بالجزء، ولهذا قال بعض الأشياخ: إن المسألة محمولة على أنه لقيهما مجتمعين فخاطبهما جميعا فأجابا جميعا. لأن هذه الصورة الظاهر أن الخطاب لما كان لهما معا حمل جوابهما على قصدهما إلى أن يساوي كل واحد منهما. فلو لقي كل واحد على انفراده فسأله في الشركة فأجابه بالإنعام لاستحق بذلك نصف ما ملكه من هذا العبد وهو الربع فإذا لقي بعد ذلك الشريك الآخر فسأله في الشركة فأنعم له فإنه يستحق أيضا نصف ما في يديه وهو الربع، فيكون لهذا المنفرد بالسؤال نصفه، والآخرين نصفه. ولو كانت شركة المشتريين العبد على أجزاء مختلفة فسألهما هذا في الشركة فأنعما له بها، فإنه يكون له نصف العبد لأن كل واحد منهما قد أشركه فيما يملكه، والشركة تقتضي المساواة، فإذا ساوى كل واحد منهما جاز له نصف ما في يديه، فقد ملك نصف العبد.

وهذه الطريقة التي سلكها الأشياخ تقتضي حمل لفظ الشركة على المشاركة بالنصف والمشاركة فيما اشتركا فيه، وإنما استدلوا باختلاف الأجزاء أو بالتقاء في مجلسين على أنهما لم يقصدا الخروج على ظاهر لفظ الشركة الذي قدرنا أنه يقتضي المساواة، وعولوا على قوله في الكتاب؛ لأنهما رهنا (2) فأشاروا إلى أن اختلاف الأجزاء، وافتراق المجالس لا يظهر معه أنهما أرادا ما ذكر عنهما. وقد قيل في مسألة الكتاب: إن هذا السائل في الشركة يكون له نصف العبد. وهذا الجواب الذي وقع مطلقا هو مطابق لما ذكرناه عن الأشياخ

من وجوه حمل لفظ الشركة على المساواة إذا لم يقتدو (1).

وعلى هذا الأسلوب يجري ما ذكرنا عن سحنون في مسألة من أقر بأن هذا العبد الذي في يديه فيه شركة لرجل آخر سماه، أو قال: هو لي، وأراد هو مني (2). فإنه ذكر اختلافا في المذهب في هذا، فقيل: يحمل إطلاق هذا على المساواة في المال. وهذا هو الذي سلكه بعض الأشياخ في مسألة الكتاب. وذكر قولا ثانيا وهو أنه يسأل في هذا، فما فسر به رجع إليه، وحمل اللفظ عليه، ثلثا قال، أو ربعا، أو غير ذلك. وذكر قولا ثالثا أن هذا الإطلاق لقوله فيه شركة، يقتضي المساواة، ما لم يقل: هذا العبد فيه شركة لفلان معي. فإنه إذا قال: معي، حمل على المساواة. واستدلال شهادة اللفظ على قصد المساواة لا يتضح إلا أن يكون صاحب هذا المذهب تكلم على قوم لا يستعملون هذه اللفظة، وهي قوله: معي، إلا مع المساواة، فيصح الاستدلال بها.

وهذا الخلاف الذي ذكرناه في إطلاق هذه اللفظة إنما يتصور إذا أطلقها ثم بعد حين قيدها بثلث أو ربع. فإن كان لا يقبل منه على أحد الأقوال التي ذكرها ابن سحنون، لكونه عند هؤلاء ادعاء خلاف ما يقتضيه ظاهر اللفظة. وأما لو وقع المقيد متصلا بلفظ الشركة فإنه لا يختلف في كونه لا يطلب بأكثر مما قيده في إقراره. لكنهم (3) التقييد في قولهم: لفلان علي حق في هذا المال. قبل ذلك الحق بحده تقييدا متصلا بالكلام أو متراخيا عنه. وكأنهم رأوا أن هذه اللفظة لا تشعر بالمساواة لا من جهة كونها نصا فيه ولا ظاهرا، بخلاف الشركة فإنها إن لم تشعر بالمساواة نصا أشعرت به ظاهرا. فإزالة الخطاب عن ظاهره إنما تقبل إذا كان متصلا به وأما إذا كان منفصلا فإنه لا يقبل في ألفاظ المقرين بالحقوق.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٩٠