وسبب هذا الاختلاف النظر في اختلاف الذمم هل يغير الثمن أم لا؟ فقال مالك: إن الثمن لا يختلف باختلاف ذمة (الثمن المبيع به) (3) المولي والمولى فلم يمنع الإقالة. ورأى ابن القاسم وأشهب أن الدين يختلف باختلاف الذمم؛ لأن الثمن المبيع به إذا كان مؤجلا على غني تثق النفس بأنه لا يعتبر (4) بالثمن إذا حل الأجل، فسامح فيه البائع. وإذا بيع بثمن مؤجل على فقير تتخوف النفس منه ألا يجد ما يقتضي منه عند الأجل، يستظهر عليه بالثمن، لأجل ما يترقب من فقره. فصار الثمن مختلفا في هذه التولية في التقدير ملحقا بما ذكرناه مما صورنا فيه اختلاف الثمن تقديرا لا حسا.
وأيضا فإن العين المؤجل كالعدم. وقد قدمنا أنه لا يفيد التولية على مثل العرض في الرهبان، وأن لما بينا في هذا الثمن المؤجل كتماثل العرضين، وقد
انتصر بعض الأشياخ لمذهب مالك في هذه المسألة، بأن الإقالة تجوز في الطعام وإن تغيرت ذمة المقال، وتبدلت بالوسع والعسر؛ فاقتضى هذا أن اختلاف الذمم لا يعتبر ها هنا. وهذا لا يلزم ابن القاسم وأشهب؛ لأن الذمة ها هنا ذمة واحدة، وقد وقعت المعاملة عليها، وعقد السلم مع تجوز اختلاف حالها، وتبدل شأنها بالوسع والعسر، والثمن الذي عقد به السلم قد اعتبر دافعه حال هذه الذمة وما يتخوف، فزاد في الثمن، أو نقص، بمقتضى ما يظهر من حال هذه الذمة في المستقبل. فإذا وقعت الإقالة بعد تغيير الثمن، يكون في الثمن المقال عليه تغير لأجل أن هذا التغير عليه وقع العقد. بخلاف من ولى رجلا آخر طعاما اشتراه بثمن مؤجل عليه، فإن هذا لم يقتض العقد بينه وبين من عليه السلم اعتبار ذمة المولى، كما اقتضى العقد ذمة المقال. وكذلك اختلف أيضا فيمن أسلم في طعام فلما حل الأجل قبض بعض السلم، ثم أراد أن يولي ما لي يقبض، فإن الخلاف في هذا أيضا مبني على ما أشرنا إليه من كون الثمن يختلف اختلافا مفيدا (1) لا اختلافا محسوسا؛ لأن السلم إذا عقد على مائة قفيز، فقبض منها خمسين، ثم ولى الخمسين التي لم يقبض بنصف الثمن، فإنها لا يقابلها من الثمن الذي وقع العقد بنصفه ولأن (2) المقبوض قد استقبل فيه على التقاضي والطلب، وثمنه إذا بيع معينا يمكن قبضه في الحال أكثر من ثمن ما لم يقبض، لما يتخوف المولي من مسعد (3) الطلب له وكلفة التقاضي، والثمن إذا اختلف منعت التولية. ومن أجاز التولية ها هنا رأى أن العقد إنما وقع من (4) وقوعه على أن هذين النصفين من الطعام المتساويين في الثمن، فإذا وقعت التولية على التساوي لم يتصور اختلاف في الثمن الذي وقع عليه العقد. ولولا ولى ها هنا جميع الطعام، ما قبض وما لم يقبض، لمنع؛ لأن المقبوض يكون العقد فيه
بيع (1) يحل فيه ويحرم ما يحل ويحرم في العقود على طعام معين، وما في الذمة بخلافه، يعتبر فيه الثمن الذي وقع عليه العقد. فصارت التولية ها هنا إنما وقعت فيما لم يقبض بشرط أن يبيع منه طعاما آخر، وهكذا يمنع من توليته بشرط تولية آخر مثل أن يقول لرجل: وإلى (2) ما أسلمت فيه من طعام على أن أوليك ما أسلمت فيه من طعام. لأن دخول هذا الاشتراط في التولية يشعر بالقصد إلى المكايسة والمتاجرة، والتولية إنما جازت لكونها غالبا إقالة؛ لأن ما وقع على جهة التبايع طلب المعاين (3) فيه من الطرفين جميعا غالبا، فالبائع يحرص على أن يغبن المشتري ويستظهر عليه والمشتري يحرص على أن يغبن البائع فيه والإقالة في غالب العادة إنما يقصد بها رفق أحدهما، وكذلك التولية، فإذا وقع مع العقد فيها مثل هذا الاشتراط المشر بقصد المكايسة منعت.
وهذا إذا اختلف رأس مال الطعامين واختلف الطعامان في أنفسهما. وأما إذا تماثل الطعامان فهذا ينصرف إلى الحوالة. وسنتكلم على طعام أسلم فيه إن شاء الله تعالى.