وهكذا لو كان الراهن وجد الرهن وقد فات، فإن التفريع على هذا يجري. فانظر ما حصل له في المحاصة وما نقصه، وأضر به تسليم الرهن، فهو الذي يرجع به على الأمين. فهذه إحدى الطرق الثلاثة فيما يرجع به المرتهن على الأمين.
وأما الطريقة الثانية، وهي طريقة الشيخ أبى محمد بن أبي زيد رحمه الله، وذلك أنه رأى أن هذا المرتهن قد تعدى الأمين عليه في تسليم رهنه إلى الراهنو فله أن يطالبه بقيمة الرهن الذي تعدى عليه، وقيمته عشرة دنانير، وقد أخذ الحصاص (3) أولا عشرة دنانير، على أن المحاصة كانت له بعشرين وبعشرين للغريم الآخر، فصارت ها هنا لما أخذ العشرة قيمة الرهن من الأمين
قد سقط دينه، وبقي له المحاصة بنصف دينه الآخر الزائد على قيمة الرهن (1) من العشرة التي قبضها بالمحاصة نصفها لأنه حاص أولا بعشرين وكشف الغيب أنه لما أخذ من العشرين عشرة من الأمين أن المحاصة إنما تجب له بعشرة، فيرد من العشرة، التي أخذ نصفها في المحاصة، نصفها وهو خمسة دنانير التي تمسك بها من عشرة المحاصة، فذلك خمسة عشر دينارا، وقد رد مما أخذ في المحاصة خمسة دنانير بقيت من جملة دينه لكونه حصل في يده خمسة عشر دينارا، ويضرب فيها الغريم الآخر بعشرة دنانير، وهي التي بقيت من دينه بعد العشرة التي أخذ في الحصاص، فيقضى له بثلثها، وهو ديناران غير ثلث، يضاف إلى الخمسة عشر فيحصل له سبعة عشر دينارا غير ثلث.
ونحا الشيخ أبو محمد في هذه الطريقة نحو ما ذكره يحيى بن عمر في مسألة المدونة، فيمن رهن زرعا لم يبد صلاحه، وفلس الراهن، فإن الزرع لما كان لا يحل بيعه صار كالعدم، وحاص هذا المرتهن بهذا الزرع غرماء الراهن بجميع دينه. فإذا حل بيع الزرع فإنه تبطل المحاصة الأولى، ويرد نصف ما أخذ فيها إذا كان هو قد أخذ نصف دينه، والغريم الآخر نصف دينه. فيرد نصف ما أخذ في المحاصة، ثم يتحاص فيه هو بما بقى له.
وذهب بعض المتأخرين إلى طريقة ثالثة، وأنكر طريقة الشيخ أبي محمد بن أبي زيد، وقال: إنما يرجع المرتهن على الأمين في مسألتنا بخمسة دنانير، وذلك أن من حقه أن يغرم الأمين (2) وقيمة رهنه، وهو عشرة دنانير، ويبقى له من دينه عشرة يحاص بها. ويحاص أيضا الأمين بالعشرة التي غرمها المرتهن، ويحاص الغريم الثالث، الذي له عشرون بغير رهن، بالعشرين دينارا، فصار جملة ما على الراهن من الدين أربعين دينارا، وفي يده عشرون دينارا يتحاص فيها ثلاثة غرماء، المرتهن بالعشرة التي بقيت له بعد ما أخذ الأمين، والأمين
بالعشرة التي غرمها المرتهن، والغريم الثالث يحاص بالعشرين جملة دينه. فالذي ينوب المرتهن والأمين في الحصاص في العشرين التي بيد الراهن عشرة دنانير، خمسة منها للمرتهن، وهي التي صارت له (1) حاص بالعشرة الباقية، وخمسة منها للاثنين، فيأخذ الأمين خمسة بالحصاص فيصير جملة ما غرم خمسة، ويأخذ المرتهن خمسة، يتمسك بها مع العشرة التي غرمها له الأبن، فصار جملة ما يأخذ خمسة عشر دينارا، منها عشرة التي غرم له الأمين، ومنها خمسة هي التي تنوبه في المحاصة مما بقي له.
فلو فرضنا أنه بدأ بغرامة الأمين، وقدم ذلك على الحصاص، لكان الحكم ما ذكرناه بمن (2) كونه يحصل في يديه خمسة (3) دنانير، وهي ثلاثة أرباع حقه.
فإذا لم يبدأ بغرامة الأمين وبدأ بالمحاصة فإنه يحاص عن نفسه وعن الأمين، فيجب أن يكون الذي يحصل له لو بدأ بغرامة الأمين هو الذي يعطى له في المحاصة، فإنها (4) يستغرم الأمين خمسة دنانير.
واعتد صاحب هذا المذهب بلفظ وقع في الموازية وهو قوله "يحصل للمرتهن ثلاثة أرباع حقه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى ورضي عنه:
وإذا اختلف المتراهنان في عين الرهن فالقول قول المرتهن (5). وإن اختلفا في قدر الحق فلا يخلو الرهن أن يكون باقيا أو تالفا. فإن كان باقيا فلا يخلو أن يكون في يد المرتهن أو في يد أمين.