وهاهنا قد يقال: إنه كالمغلوب لكون الأمين رد الرهن على الراهن بغير اختيار المرتهن، فأشبه إباق العبد. أو يقال ها هنا: إن المرتهن رضي بوقف الرهن عند هؤلاء (1) الأمين، مع تجوزه أن يرده إلى الراهن، فصار كأنه ليس بمغلوب على الرد، بخلاف الإباق، مع كونه ها هنا أيضا له مرجع بقيمة الرهن على هذا الأمين المتعدى، وينفرد بما يأخذ منه عن الغرماء، ويتبعه بذلك إن كان فقيرا، ولا يكون أحق من الغرماء، مع كونه قد تميز عنهم باستحقاق قيمة الرهن في ذمة رجل أحق (2) غير غريمه. فإذا قلنا: إنه يكون أحق بعين الرهن، وإن فلس الراهن، والرهن في يده، حكم له بأخذ الرهن وحاص بما يبقى له بعد ثمن الرهن من الدين. وإن قلنا: إنه لا يكون أحق, فإن هذا الأمين الموقوف على يديه الرهن قد أضر بالمرتهن في إعادته إلى يد الراهن، فللمرتهن مطالبة الرهن (3) بما أضر به ما فعله من إعادة الرهن للراهن. فمذهب جماعة من أشياخ القرويين وحذاقهم أنه يرجع المرتهن على الأمين بمقدار ما نقصه الحصاص لأجل تسليم الرهن.
ونحن نضرب لهذا مثالا يتبين به اختلاف طرق الأشياخ.
فلهم في المسألة ثلاث طرق:
1 - أحدها: ما ذكرناه عن بعض حذاقهم، وإليه مال بعض مشايخ الصقليين. فإذا فرضنا أن الراهن عليه عشرون دينارا للمرتهن، وعشرون دينارا أخرى لرجل آخر لم يأخذ بها رهنا، ففلس الراهن، فوجدنا بيده الرهن الذي رده عليه الأمين، وقيمته عشرة دنانير، وفي يده مع ذلك عشرة دنانير أخرى، فقد صار الموجود في يده عشرين دينارا، وهي نصف الأربعين التي عليه للرجلين، فيتحاصان في هذه العشرين التي هي عشرة منها ثمن الرهن، وعشرة أخرى
بيده. فإذا تحاصا فإن كل واحد من هذين الرجلين يأخذ نصف حقه، وهي عشرة دنانير، فيقول، الذي دينه أخذ له الرهن، للأمين: لو لم تسلم الرهن إلى الراهن وبقي في يديك لكنت أنا أحق به، ولم يحاصني الغريم الآخر فيه بدينه، بل آخذ ثمنه وهو عشرة دنانير، فتبقى لي من ديني عشرة دنانير، وللغريم الآخر عشرون لا رهن له بها، فتكون المحاصة بيني وبينه على ما حكم به الحاكم الآن، وذلك أن العشرة التي أخذتها من ثمن الرهن سقط بها، وبقي لي النصف الآخر الزائد على قيمة الرهن، وهو عشرة لا رهن لي بها, وللغريم الآخر عشرون ولا رهن لي (1) بها، فتقع المحاصة بيني وبينه، على أن له ثلثي العشرة، وهو سبعة غير ثلث، ولي أنا ثلثها وهو ثلاثة دنانير وثلث، فيحصل في يدفي ثلاثة عشر دينارا وثلث، عشرة منها هي التي حكم بها الحاكم، وثلاثة وثلث تجب بالمحاصة.
ولو كانت على غير الصفة التي حكم لي الحاكم، فيطلب الأمين بثلاثة دنانير وثلث، وهي التي تعدى الأمين على الرهن من حقي هذا في الحصاص.
ولو كان الرهن قد أفاته الراهن بأن يكون طعاما فأكله، أو ثوبا فلبسه، ووجد في يده عشرون دينارا، لرجع المرتهن على الأمين بسبعة دنانير غير ثلث، وهي ضعفا ما يرجع به عليه لو كان الموجود في يده عين الرهن وعشرون (2) دينارا, لأن الرهن إذا كان موجودا وقع الحصاص للمرتهن بعشرة دنانير، لسقوط عشرة من دينه بالرهن الذي يأخذه لو بقي في يد الأمين، وإذا كان الرهن قد فات في يد الراهن وقيمته عشرون دينارا ووقع الحصاص للمرتهن بعشرة دنانير في عشرين بيد الراهن. وفي المسألة الأولى يقع له الحصاص بعشرة، فلا شك أن الذي يجب له في الحصاص في عشرين دينارا أضعاف (3) ما يجب له في الحصاص في عشرين (4)، وهو سبعة إلا ثلث.
ولو فرضنا المسألة الأولى، وهي الحصاص بعشرة بقيت له بعد الرهن في عشرة قبالة (1) في الحصاص ثلاثة وثلث كضا بيناه، ثم طرأ للراهن عشرة أخرى، فإن حكم الحصاص، الذي ذكرناه، ينتقض بطريان مال الراهن (2)، وإذا انتقض فقد صار للراهن ثلاثون دينارا، منها عشرة قيمة الرهن، والعشرة الأخرى التي قدرناها في السؤال الأول، والعشرة الأخرى طرأت، فهذه ثلاثون، تقسم بين الغريمين نصفين كما فعلناه في السؤال الأول، فيحصل للمرتهن خمسة عشر دينارا, وتبقى له عشرة دنانير لا يشاركه فيها أحد، ويبقى له من دينه عشرة دنانير، وللغريم الآخر عشرون دينارا، العشرة التي قدرناها مع الرهن، والعشرة الطارئة، فتضرب في العشرين المرتهن بالعشرة الباقية به، ويضرب بالغريم الآخر بجميع دينه وهو عشرون دينارا، فينوب المرتهن من العشرة ثلثاها، وهو سبعة دنانير غير ثلث، فيضاف إلى العشرة التي هي ثمن رهن الذي هو أحق بها لو بقي الرهن في يد الأمين، فيضرب جملة ما يستحق سبعة عشر دينارا غير ثلث، وقد أخذ خمسة عشر دينارا، والذي أضر به تسليم الرهن دينارا وثلثا.