وإذا ادعى، هذا المرتهن لما يغاب عليه، وقد اشتوط المنفعة،: أنه ضاع، فهل يصدق في دعواه الضياع ويسقط عنه الضمان تغليبا لحكم الإجارات، أو لا يصدق في ذلك، ويجب عليه الضمان، تغليبا الأحكام الرهبان؟ فبسبب هذا الامتزاج في هذين الحكمين وقع الإشكال: ما الذي يغلب متهما على صاحبه: هل حكم الرهبان فلا يضمن؟
من الأشياخ من غلب حكم الرهبان وأوجب الضمان، ومنهم من غلب حكم الإجارة فأسقط الضمان، ومنهم من أفرد كل واحد بحكمه ورأى أن الأجزاء التي تنتهك وتنعدم بالاستخدام لا تضمن، حتى لو اشترط منفعة لباس الثوب شهرا وادعى ضياعه، بعد يوم من يوم أخذه، فإنه يسقط عنه مقدار ما ينقص الثوب اللباس. فإن نقصه في هذا الشهر ربع قيمته، رجع بمقدار ذلك على الراهن، من غير المبيع له، في قيمته لأجل ضرر الشركة. ولو لم يذع الضياع إلا بعد فراغ لكان في ذلك القولان المذكوران في كتاب الجعل والإجارة: هل تلزمه الإجارة كاملة، وإن سقط عنه ضمان العين أم لا تلزمه الإجارة، ويصذق في سقوط الثمن كما صدق في ضياع عين مال مستأجرة؟ وأشياخي الذي شافهتهم على المسألة، يعتبرون المقصود في هذا العقد، هل
قصدهم الإجارة فلا يضمن هذا الرهن، أو قصدهم الرهن فيضمن؟ ويستدلون على مراعاة القصد في هذا مما ذكر المدونة من أن الحمال، إذا فلس صاحب الأحمال، كان الإجمال (1) أحق بما حل (2) من الغرماء، وهو مع هذا لو ادعى الضياع لما حمل من العروض لصدق, لأن المقصود في هذا العقد الإجارة لا الرهن، حتى إذا بلغ المكان الذي استؤجر على أن يبلغ الأحمال إليه ولم يعطه صاحب الأحمال إجارته أبقى عنده الأحمال رهنا، وغاب عليها، فإنه حينئذ يضمنها.
وهذا يشير إلى اتباع المقصود في هذه العقود. فإذا وضح هذا فإنه يلتفت إلى صحة الحوز في هذا، وقد قدمنا أن المرتهن إنما يكون أحق بالرهن إذا حازه. وظاهر مذهب ابن القاسم أن هذا يكون رهنا محوزا، وإن امتزج فيه الحكمان: حكم الإجارة وحكم الرهبان، فكذلك لو استأجر هذا الثوب ثم ارتهنه فإن سحنونا ذكر أن مذهب ابن القاسم صحة الحوز، وإن تقدم فيه عقد الإجارة، كمن أخدم رجلا عبده ثم تصدق به عليه، فذكر عبد الملك في الموازية والمبسوط أنه إذا استأجر شيئا أمسكه رهنا بعد ذلك بدين أسلفه لصاحب الرهن أن ذلك لا يكون حوزا، قال: لأنه إنما قبضه أولا على حكم الإجارة، لا على حكم الرهن، فلا ينتقض الحكم الأول الذي هو حوز الإجارة. ولو كان الرهن سبق أولا ثم استأجر هذا الرهن فقد قال عبد الملك: إن الحيازة تصح، لكونه أولا قبضه على حكم الرهن، فلا يتغير هذا الحكم. وذكر ابن المعذل لا يصح حوز هذا الرهن, لأن عقد الإجارة فيه بعد ارتهانه كالفسخ لارتهانه.
وقد اختلف أيضا في رهن ما هو مستأجر في يد غير المرتهن، فوقع لمالك: أن ذلك لا يكون محوزا. وقال ابن نافع في المبسوط: إنه يكون محوزا.
وقال ابن القاسم في الدمياطية، فيمن وجد جمالا ثم رهنها: إن المرتهن إن كان
يقوم عليها ويعلفها فإن الحيازة تصح، وقدر أن هذا النوع من التصرف من المرتهن كالحيازة له، وهي أقصى ما يقدر عليه.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
قد قدمنا جواز وقف الرهن على يد أمين، بتراضي الراهن والمرتهن، أو بحكم حاكم، وذكرنا حكم الضمان في ذلك. ولكن قد يخالف هذا الأمين ما أذن له فيه من إمساك الرهن حتى يقضى الدين، بأن يسلمه إلى أحد الرجلين اللذين تراضيا به، إما المرتهن وإما الراهن، فإن سلمه المرتهن فضاع عنده ضمنه للراهن، وإن أسلمه للراهن ضمنه لبمرتهن. ولكن إذا سلمه للراهن ضمن للمرتهن الأقل من قيمة الرهن أو الدين الذي أخذ به الراهن، (1) لأنه إن كان قيمة الرهن أقل من الدين فإنما أتلف على المرتهن قيمة الرهن، الذي لو لم يسلم إلى الراهن لباع الرهن وأخذ ثمنه في دينه. وإن كان الدين أقل من قيمة الرهن فإنما أتلف عليه الدين لأنه لا يستحق من الرهن إلا مقدار الدين، وما زاد على ذلك فلا يستحقه.