وأما نحن، فإنا قدمنا، في الشروط، أن المذهب على قولين، بين ابن القاسم وأشهب، فيمن أخذ رهنا على أنه يكون رهنا عنده سنة، فإذا انقضت السنة خرج عن كونه رهنا، هل يبطل هذا الشرط ويبقى رهنا في السنة الثانية، كما قال أشهب، أو يبطل كونه رهنا في السنة الأولى وفي السنة الثانية؟ وهذا اشتراط ينقص من حق المرتهن في الرهن، ثم فيه قولان، فلا يكاد يستمر في شرط يعود بنقض ما ذكروه من مذهبهم، لأجل ما حكيناه من الخلاف عندنا في هذه المسألة. ولكن تختلف أحكام الشروط باختلاف معانيها.
وأما اشتراط ما فيه زيادة، فقد قدمنا نحن، فيمن أخذ رهنا وشرط له الراهن أن له بيعه من غير مطالعة، أن فيه عندنا اختلافا بيناه في فصل قبل هذا.
وها نحن نتكلم على شرط فيه زيادة في حق المرتهن، وهو اشتراط الانتفاع بالرهن.
فاعلم أن من ارتهن رهنا واشترط ذلك في أصل عقد سلعة باعها، فإنه إن لم يبين حقيقة الانتفاع بالرهن، كما بين في عقد إجارته، فإن ذلك لا يجوز لكون هذه المنفعة المشترطة لها حصة من الثمن، فصارت كالإجارة، والإجارة لا تجوز إلا على منافع معلومة. وكذلك يفتقر في اشتراط هذه المنافع إلى تحديد أجل معلوم، فإن سلم عقد هذه الإجارة مما يفسدها، كما بيناه، التفت إلى أصل آخر، وهو كونها عقدا قارن عقد بيع، وعقد البيع يختلف فيه الغرر في ثمنه، وفيما قارنه مما هو كبعض ثمنه. فإن كان الرهن عقارا، كالدور
والأرضين، جاز اشتراط الانتفاع به إذا ثبتت المنفعة، وضرب أجلها, لارتفاع تصور الغرر في رهن العقار.
وأما إن كان الرهن المشترط للانتفاع عروضا أو حيوانا، فإن مالكا منع ذلك في المدونة، وذكر ابن القاسم إن علة منع مالك إياه كون الثياب والحيوان يغئرها الاستخدام، فلا يدرى، عند انقضاء المنافع وحلول الدين، كيف يكون الرهن، هل يوفي بالحق لبقائه على حاله, أولا يوفي لكثرة تغيره وانتقاصه، واشتراط رهن فيه غرر في أصل عمد بيع لا يجوز، على هذا. وفي كتاب الحمالة من المدونة إن الحمالة إذا كانت فيها غرر لا تجوز، ويبطل البيع الذي قارنها. وخالف أصبغ في بطلان البيع، كما تقدم بيانه. وقال ابن القاسم، عقيب حكايته عن مالك ما ذكرناه: وأما أنا فلا أرى بذلك بأسا. وأشار إلى أن عقد الإجارة على انفراده يجوز، وإن كان المؤاجر لعبده أو ثوبه لا يدري كيف يرجع إليه إذا انقضى أمد الإجارة، ثم مع هذه الجهالة لا تبطل الإجارة، فكذلك إذا عمدت على هذه الصفة، وقرن معها عقد بيع. وذكر ابن المواز أن أشهب وأصبغ أجازا ذلك، وأن قول مالك اختلف فيه.
وأما إن كان اشتراط المنفعة في عقد قرض فإن ذلك لا يجوز، بغير خلاف قولا على الإطلاق, لأن المنفعة إنما اشترطها المسلف بماله على أن جعل عوض السلف منفعة ينالها من المتسلف، وهي الانتفاع بالرهن الذي دفع إليه.
وأما إن كان هذا الاشتراط لهذه المنفعة بعد عقد البيع، وعقد القرض، فإن حكمها يستوي في كون ذلك لا يجوز, لأنها هدية المديان، وإنما سمح له صاحب الرهن بالانتفاع برهنه بعد عقد البيع أو القرض رجاء أن لا يضيق عليه في الطلب إذا حل الأجل، ويؤخره بالدين الذي له عليه، وتأخيره كالسلف، وما أباح له من الانتفاع هو عوض التأخير الذي يؤخره به. ولو صح في هذين الرجلين أنهما لم يقصدا لذلك لمنع، حماية لغيرهما.
ولو كان الرهن بعد عقد البيع والسلف، فشرط الراهن أن للمرتهن الانتفاع به بإجارة، يجري ذلك على أحد القولين، فيمن عليه دين مؤجل، فعامل من له الدين ببيع على النقد. وذلك مذكرر في كتاب البيوع، ولأنه يتوفى منه في المسامحة هدية المديان، والزيادة، على حسب ما تقدم ذكره.
وإذا صح حكم جواز اشتراط المنفعة في الرهن، على التفصيل الذي ذكرناه، ومنع الشافعية ذلك على الإطلاق، فقد علمت أن هذا الرهن امتزج فيه حكمان متنافيان في أحكام الضمان، وقد عملت أن الرهن إذا كان مما يغاب عليه فإنه مضمون، كما تقدم بيانه، والمستأجر للانتفاع به غير مضمون، على ما يذكر في كتاب الإجارات.