وإما إفراد الولد بالرهن بعد انفصاله من بطن أمه، فإنه روي عن ابن القاسم في وصيف رضيع رهن أنه لا يجوز ذلك إلا أن لكون معه أمه. وحمل قوله هذا على أنه أراد أن لكون أمه معه في التربية الممنوع من إسقاط حقها فيها، أو حق الولد. لكن ابن شعبان قال: لا يجوز رهن الولد دون أمه حتى يثغر، إلا أن يرهن معها، كما لا تجوز التفرقة بينهما في البيع.
وظاهر كلام ابن شعبان منع إفراده بالارتهان. وأما كلام ابن القاسم فهو أقرب إلى التأويل الذي تأوله عليه بعض الأشياخ.
وأما إفراد الأم بالارتهان فقد روي أشهب عن مالك جواز ذلك.
وإذا احتيج إلى بيع الأم بيع معها ولدها، وفض الثمن بما قابل الأم (6)
كان المرتهن أحق به، وما قابل الولد كان لسائر الغرماء (المرتهن للأم بما بقي وغيره من الغرماء) (1).
وظاهر هذا أن المطلوب التفرقة في الارتهان في إفراد الأم بذلك أو الولد، وهو يطابق التأويل الذي ذكرنا أنه تأول على ما قال ابن القاسم. وقد ذكر ابن شعبان أن العبد إذا كان له أمة استولدها فإنها وغيرها من ماله لا تدخل في الرهن، ولكن ولده يدخل في الرهن لكونه من جنسه، وقد قدمنا أن ما كان من جنس الرهن دخل في الرهن.
وهذا الذي قاله يفتقر إلى نظر, لأن ولد الأمة إنما ألحق بها لأنه يقدر كعضو من أعضائها يلحقه ما يلحقها من حرية أو رق. وأما ولد الذكر فلا يقدر كعضو من أعضائه، ألا ترى أن الاستدلال. الذي قد قدمنا في كون الولد تابعا لأمه في حكم الرهن هوا الاتفاق على أحكام حريتها ورقها يجريان في ولدها، ويتبعها في ذلك، ولا يتبع أباه حرية ولا رقا. فهذا ينبغي أن يتأمل.
وقد وقع لمالك في أروش الجنايات على العبيد أنها إذا أخذت دخلت في الرهن معهم من غير اشتراط مع كونها ليست من جنس الرهن، ولكنها عوض عن عضو ذهب من الرهن، وقد كان ذلك العضو مرهونا فليكن عوضه من الدنانير والدراهم رهنا بدل ذلك العضو الذاهب، وأما مال العبد فإنه لا يكون رهنا معه لأنه ليس بملكه كما يملك الحر ماله لقدرة السيد على انتزاعه، فلا يدخل في الرهن معه إلا بأن يشترط ذلك، واشتراطه جائز وإن كان مجهولا. وإفراد مال العبد بالشراء له لا يجوز مع الجهالة، ويجوز إفراده بالرهن مع الجهالة. وإذا اشترط المرتهن كون مال العبد رهنا معه فأفاد العبد مالا في أيام الرهن، فإن في الموازية والمجموعة أنه لا يكون، رهنا، ولا يتناوله اشتراط كون مال العبد رهنا معه, لأنه لم يكن حينئذ مالا له. لكن لو ربح فيما في يديه لدخل هذا في الرهن، لأن ربح المال تابع له، كما نقول في الأرباح: إنها تبع لأصول الأموال في
الزكاة، وإن لم يحل عليها الحول. لكن ينبغي أن يتأمل ما يتخرج من الأقوال في أن الأرباح في الزكاة تجري مجرى العوائد، هل يقتضي أيضا هذا ألا تدخل الأرباح في الرهن إذا اشترط كون مال العبد رهنا معه. وقد قيل في الوصايا:
إنها لا تدخل في مال لم يعلم به الميت، وتدخل في أرباح المال الذي علم به.
وقد تعقب بعض المتأخرين هذا، وقال بأن المعروف من المذهب أن من اشترى عبدا بالخيار، واشترط ماله، فإنه إن استفاد فائدة في أيام الخيار كانت للمشتري. وذكر في كتاب المكاتب على الخيار، إذا أفاد فائدة في أيام الخيار كانت له دون سيده. ولكن هذا ذكر عن ابن القاسم فأشار بهذا إلى أن العبد المرهون إذا اشترط المرتهن دخول ماله في الرهن فإنه يدخل معه في الرهن ما استفاد في أيام كون الرهن محبوسا عنده، من هبة أو غيرها.
هذا حكم الحيوان فيما تعلق به من ولد أو مال.
وأما (صوف الغنم) (1) إذا رهنت وقد كمل صوفها، فإن ابن القاسم رآه داخلا في الرهن معها، كما يدخل في البيع. ويراه أشهب غير داخل معها كلبنها.
وأما حكم الثمار فإنها لا تدخل في الرهن إلا أن تشترط، سواء كانت حين عقد الرهن مأبورة أو غير مأبورة، مزهية أو غير مزهية، قال ذلك ابن القاسم وأشهب، وهو أصل المذهب. لكن لو رهنت الأشجار وفيها ثمرة، وقد تنامت ويبست، فإن الأشياخ المتأخرين اختلفوا فيها: هل تدخل في الرهن، كما قال ابن القاسم في الصوف إذا تم: إنه يدخل في الرهن من غير اشتراط أم لا؟