وقد روى الشعبي عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال: "من أرهن دابة فعليه نفقتها وله ظهرها" وهذا نص في الرد على المخالف.
ومن أوضح ما يحتج به فقهاء الأمصار حصول الإجماع على أن عين الرهن ملك للراهن، وإذا كان ملكا للراهن وجب أن يكون نماؤه له، قياسا على أصول الشريعة في أن من ملك الرقبة ملك نماءها. وأيضا فإن من باع حيوانا أو
حبسه حتى يعطى ثمنه فإن الغلة للمشتري لكونه قد ملك العين المبيعة بالشراء، وكذلك ملك الراهن لعين الرهن يجب أن يكون نماؤه له. وبهذا احتج ابن القصار وغيره. وقد كنا نحن قدمنا في كتاب البيوع أن الغلة الحادثة في المبيع المحبوس بالثمن، حكى القاضي أبو محمد عبد الوهاب وغيره، أنها للمشتري، وأشار إلى الاتفاق على ذلك وهكذا (1) يقتضي ما ذكرناه عن ابن القصار في هذه المسألة، وذكرنا أن بعض أشياخنا كان يرى أن ذلك جار على القولين في ضمان المحبوسة بالثمن، فمن قال: إن ضمانها من البائع وجب أن لكون الغلة له، ومن قال: إن ضمانها من المشتري، وجب أن لكون الغلة للمشتري. فهذا الذي احتج به ابن القصار قد كنا بسطنا القول فيه، وأشرنا إلى تخريج الخلاف فيه.
على أن ابن القصار عقب قوله هذا بأن الحديث الوارد فيه " الخراج بالضمان" إنما هو محمول على ملك الإنسان، ويضمنه ضمان الملك، والرهن لا يضمن إذا كان مما لا يغاب عليه، أو مما يغاب عليه وقامت البينة على ضياعه على إحدى الروايتين عن مالك.
وأما ابن حنبل فإنه إن تعلق في كون الرهن ملكا للمرتهن بقوله عليه السلام "الرهن مركوب ومحلوب" (2) وظن أن المراد بهذا المفعول الذي لم بسم فاعله أنه محمول على الراهن فدل أن هذا لم يصرح به في الحديث، والذي يكون له اليد لم يذكر، فيمكن أن يكون المراد مركوب ومحلوب للراهن، وهذا هو الظاهر، لما قدمنا من شهادة الأصول لبهون النماء تبعا للنامي في الملك.
وقد تعلق من رأى أن الغلة متابعة للإنفاق بقوله عليه السلام في بعض الأحاديث التي رواها أبو هريرة رضي الله عنه "الظهر يركب ويشرب الدر" أو كمن (3) قال. وهذا لو ثبت حمل على أنه قضية في عين، المراد به أن الرهن رفعه المرتهن للحاكم لما لم يجد نفقة عليه فأمره بالإنفاق ويأخذ ذلك من الغلة. وهذا يضطر
إليه ما قدمناه من الأحاديث الدالة على صحة ما قلناه، وكون أصل الشريعة شهد بصحة ما ذهبنا إليه في كون النماء تابعا في الملك للنامي الذي كان عنه.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: اختلف الناس في دخول النماء الحادث، بعد عقد الرهن، في يد المرتهن، وهو متميز عن النامي، هل يدخل في الرهن تبعا لما نما عنه، ويكون منه، أم لا؟
فذهب أبو حنيفة إلى أنه يدخل في الرهن، قولا على الإطلاق سواء كان النماء الحادث من جنس الرهن، كالولد وفراخ النحل، ومن غير جنسه كالدر والصوف وغلة الرباع.
وذهب الشافعي إلى أنه لا يدخل في الرهن على الإطلاق، سواء كان من جنس الرهن كالولد أو من غير جنسه مما عددناه.
وذهب مالك إلى التفصيل، ورأى أن ما كان من جنس الرهن دخل في الرهن كالولد، وما لم يكن من جنسه لم يدخل في الرهن كالثمر والصوف واللبن مما عددناه.
فأما الشافعي فإنه يعتمد على أن الرهن مجمع على كونه على ملك الراهن، ومن ملك شيئا فإنه لا يسقط حقه من التصرف فيه إلا باختياره ورضاه، وهو لم يرض إلا بحبس عين الرهن، وقطع حقه في التصرف فيه، إلى أن يفديه، ولم ير ذلك فيما يكون عن الرهن من در أو ثمر أو غلة: كما لو باع سلعة لم يلزمه أن يبيع أخرى بغير اختياره. واستناد هذا إلى هذه الأصول استدلال واضح يرد به على أبي حنيفة. ويستند مالك إليه أيضا لكونه خالف الشافعي في الولد فأدخله في الرهن لآجل كون الأصول أيضا تقتضي إجراء حكم الأمهات على أولادها، ألا ترى أن الولد تابع لأمه في الحرية وإن كان أبوه عبدا، وفي الرق إذا كانت مملوكة وإن كان أبوه حرا وطى بنكاح. وهكذا من فيه عقد من عقود الحرية، كالمكاتبة والمدبرة والمعتقة إلى أجل، فإن أولاد من ذكرناه ينسحب عليهم حكم أمهاتهم في الحرية والرق وما ذاك إلا لكون الولد