تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا ضبط مذاهب هؤلاء الفقهاء الثلاثة: مالك والشافعي وأبي حنيفة على سبب الخلاف بينهم من جهة الاعتبار.

وأما الظواهر فتنازعوا في قوله تعالى "فرهان مقبوضة" فقال أصحابنا: هذا ظاهره يقتضي استدامة القبض، لربطه حقيقة الرهن بالقبض، وإنما شرط القبض لأن في ذلك فائدتين: إحداهما كون المرتهن يتمسك بالرهن حتى يستوفي دينه منه، وهذا الاستيفاء هو المقصود، ولا يحصل هذا المقصود إلا يكون الرهن في يديه وقت الحاجة إلى بيعه، فصار ذلك كالصفة اللازمة للرهن كقوله: رجل قائم، وإنما يوسف بذلك في حال قيامه، فإذا انفصل عن القيام قيل: كان قائما، والبارى سبحانه لم يقل "كنتم قبضتموها" وأيضا فإن للرهن فائدة أخرى ومن (2) استعجال الراهن في قضاء الدين لأنه إذا أجبل (3) بينه وبين الرهن، ومنع من الانتفاع به استعجل نفسه بقضاء الدين ليفك رهنه، ويعود

إليه الانتفاع به، فإذا كان ممكنا من الانتفاع به لم يحث نفسه ويستعجلها بقضاء الدين، فتبطل فائدة الرهن.

ويقول الشافعي: لم يرد الله سبحانه بقوله "فرهان مقبوضة" القبض الحسي، بل القبض الحكمي، بدليل كون الرهن رهنا وإن وضع على يد عين (1) المرتهن، وما ذلك إلا أنه كقبض المرتهن من ناحية الحكم، فإذا كان المراد القبض الحكمي بدليل ما ذكرناه، وقد قبض الرهن، وكان عبدا استخدمه في النهار، ويعيده ليلا إلى المرتهن، فإن قبض المرتهن من ناحية الحكم لم يبطل، بل يستصحب القبض إلى أن يعود إليه بالليل.

واستدل أصحاب الشافعي بقوله عليه السلام "الرهن مركوب ومحلوب" ولم يرد أن ذلك حق للمرتهن.

وإذا اتفقنا على أن ذلك مما لا يملكه المرتهن لم يبق إلا صرفه إلى كون الراهن يركبه ويحلبه.

ونحن نجيب عن هذا بأنه لم يذكر من الراكب ولا الحالب، فصار ذلك مجملا من هذه الناحية، محتملا بتناوله على أن المراد يركب بإجارة يتولى حلابها (2).

وقد ذكرنا عن الشافعي أنه في المشهور عنه يجيز الانتفاع بالرهن، وإن عاد إلى يد المرتهن، في العبد بأن يستخدمه نهارا ويعود بالليل إلى يد المرتهن.

ولو كانت دارا لكان من حقه أن يعيدها إلى يده يسكنها نهارا وليلا, لأن الديار هكذا ينتفع بها في العادة، بخلاف العبد. وعلى قوله الآخر: يمنع من سكناها إذا كان غير ثقة، على حسب ما ذكرناه لاختلاف أصحابه في تأويلا الاختلاف.

والجواب عن السؤال السابع أن يقال:

قد فرغنا من الكلام على رجوع الرهن من يد المرتهن باختياره إلى يد

الراهن. وأما إن رجع بواسطة مثل أن يكتري الدار المرهونة رجل من المرتهن بإذن الراهن، فينعقد الكراء بين المرتهن والمكتري، ثم يكتريها الراهن من هذا المكتري لها، فإن ابن القاسم رأى أن ذلك يبطل الرهن ما دامت في يد الراهن، إذا قام الغرماء على الراهن، إن كان المكتري الذي أكراها من الراهن من جهة الراهن وبينه وبينه علاقة، وإن لم يكن بينه وبين الراهن اختلاط وعلاقة لم ييطل الرهن. وكأن ابن القاسم اعتبر التهمة في هذا وقدر أن هذا المكتري إذا كان بينه وبين الراهن علاقة، فإن المرتهن والراهن يتهمان على أن أظهرا الحوز للرهن زورصا، وباطنهما رجوعه إلى يد الراهن، وإنما جعلا هذا المكتري ذريعة إلى ما تحيلا عليه من إظهار الحوز، وباطنهما خلافه. فإذا كان لا علاقة بينه وبين الراهن، بعدت التهمة.

وهذا عندي مثل ما ذهب إليه فيمن حلف ألا يبيع ثوبه من فلان، فاشتراه منه رجل أظهرا أن الشراء له، وهو إنما اشتراه للمحلوف عليه ألا يباع الثوب منه. واعتبر في هذا كون المتولي للشراء من جهة المحلوف عليه، فيقع الحنث لكون البائع منه إذا علم أنه من جهة فلان صار ذلك كعلمه أنه إنما اشترى ذلك لفلان المحلوف عليه. وإن لم يكن من جهته لم يحنث الحالف.

وهذا مثل ما حكيناه عنه في مسألة الرهن، وأن ابن حارث قد تعقب ما قاله ابن القاسم في مسألة الرهن، وجعل جواب ابن القاسم كالخارج عن المعروف من أصول المذهب، واستشهد بأن من له نصف دار رهنا لرجل، ثم اكترى نصيب شريكه أن هذا الاكتراء يبطل الرهن، تكون يد الراهن رجعت إلى نصف الدار، وهو مشاع، فكأن يده (1) رجع رهنه إليه. فإذا بطل ها هنا مع بعد التهمة، فأحرى أن يبطل الرهن إذا أخذه الراهن من يد مكتريه، ولو كان ليست بينه وبينه علاقة.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٨١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٨١١