فإن قيل قد اتفق المذهب على جواز بيع الغائب، واختلف القول في ضمانه، هل هو من المشتري أو من البائع. وفي بيع هذا الشريك لنصيبه الذي لم يرهنه إلى أن يقبض إلى أجل لم ينص فيه على هذا الاختلاف، بل جعل الضمان في هذا النصيب من مشتريه بالعقد، وإن كان أجل القبض يتأخر قيل (2) السلعة المبيعة إذا كانت غايته لا يصح في العق ان تقبض عقيب العقد، فصار القصد غير متأت عقلا، وها هنا يتأتى القبض ويتمكن، وإنما منع الشرع من اشتراطه خاصة معجلا إلى أن يسقط حقه في التعجيل للبيع من له أن يمنع منه، فلما صار القبض ممكنا متأتيا في الحال صار ذلك بخلاف ما لا يمكن قبضه عقلا في الحال. وقد بسطنا هذا الذي أشرنا إليه في كتاب البيوع في ضمان
المحتبسة بالثمن وبيع الغائب.
وإذا قيل في مسألة هذا الشريك: إن البائع يسقط الضمان عنه بالعذر، فيجب له نقد الثمن على حسب ما بيناه في كتاب البيوع في أحكام بيع الغائب.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
قد بينا صفة القبض فيما في يد الراهن، منفردا أو متميزا أو مشاعا. فأما ارتهان الإنسان شيئا في يديه هو من غير أملاك الراهن، فإنه لا يخلو أن يكون ذلك في يديه غصبا أو وديعة.
فإن كان في يديه غصبا، وحازه حوزا لم يأذن له الشرع فيه، فأتى مالكه فجعله رهنا في يد الغاصب لدين للغاصب عليه، وقد تمكن من أخذه، فإن فقهاء الأمصار مختلفون في زوال ضمان الغاصب عن هذا الغصب، بأن جعله المالك رهنا في يده، وأذن له في أن يمسكه رهنا في دين له عليه. فمذهبنا أن ضمان الغاصب يسقط، ويمحى حكمه بهذا الفعل الثاني، وهو إذن المالك في أن يبقى في يد الغاصب رهنا.
وبهذا قال أبو حنيفة والمزني من أصحاب الشافعي.
وذهب الشافعي إلى أن ضمان الغاصب لا يسقط، تكون المالك عقد فيه الرهن بعد أن كان غصبا.
وقد قدمنا نحن القول في كون الرهن يلزم بالقول، وأنه لا يقف لزومه، والجبر على تسليمه على شيء زائد على مجرد القول.
وقد قدمنا عن الشافعي أنه لا يلزم بمجرد القول. وسنتكلم على اختلافهم في ضمان الرهن.
فعندنا أنه مضمون على الجملة، يضمنه بالأقل من قيمته، أو الحق الذي هو رهن به. فإذا تقررت هذه المذاهب على الجملة فسبب الاختلاف في زوال
الغصب إذا صير الشيء المغصوب رهنا، أن الشافعي يراه قد ثبت فيه ضمان الغصب بإجماع، ولم يحدث بعد ذلك سوى قول المالك: صيرته بيدك رهنا، وقد كان بيده غصبا، فلم يحصل سوى القول، والرهن لا يلزم بمجرد القول، واستصحاب القبض كابتدائه، فيسقط (1) حكم ضمان الغصب، تكون المالك في بقائه في يد الغاصب على وجه ينافي حكم الغصب, لأن ضمان الغصب لا يتساوى مع ضمان الرهن، بل يتنافيان في بعض وجوبهما (2)، ويصير (3) هذا الشيء المغصوب، إذا بقي في يد الغاصب رهنا بإذن المالك، كأنه رهن يستأنف دفعه في دين استدانه، وكأنه رد الشيء المغصوب إلى مالكه، ثم دفعه إليه مالكه بعد ذلك رهنا.
ووافقنا أبو حنيفة على هذا لأجل أنه يرى أن استدامة هذا القبض كابتدائه، وكأنه كان في يد الغاصب أولا يحوزه لنفسه، ويخيل انه يتملكه، ثم صار بحوزه على ملك راهنه، وكان (4) رهن رهنا وإخراجه (5) من يده وأقبضه للمرتهن.
وإذا حصل القبض لزم عقده الرهن، وصار مضمونا ضمان الرهبان.
ولزم الرهن عند المزني، وصار غير مضمون تكون الرهن عنده غير مضمون.
هذا سبب الاختلاف عندي في ذلك، وإن كان الأئمة الذين تكلموا على المسألة من أصحابنا كابن القصار، ومن أصحاب الشافعي كأبي حامد الإسفرايني لم يسلكوا هذه الطريقة، في البناء على الأصول، التي قدمنا، وإنما سلكوا طريق الحجاج على حسب عادتهم في مسائك الخلاف.
في (1) ذلك أن هذا الغاصب لو اشترى الذي غصبه من مالكه بعد أن تمكن منه، لسقط ضمان الغصب باتفاق. ولذلك يجب بذل (2) عقد البيع عقد رهن أن يسقط ضمان الغصب أيضا، طردا للأصل في أن هذا العقد الطارئ ينفي حكم الأول وهو الغصب.