تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولأجل هذا التعليل خرجنا فيه خرج أهل المذهب المشهور عنهم في أحكام الاستحقاق إلى أن الاستحقاق إذا وقع كان الرجوع في عين العوض عن الشيء المستحق، (وإن فات وجب الرجوع في عينه إذا كان لم يفت رجع في قيمته) (2). فقالوا، فيمن صالح عن دم عمد بعبد فاستحق العبد: إن الرجوع لا يكون في الدم فيستباح، ولا في الدية، وإنما يكون في قيمة العبد إذا استحق

وكان الأصل في هذا أن يرجع إلى إراقة الدم لأنها عوض العبد المستحق ولكم لحرمة الدماء وجب ألا تراق بعبد (1) العفو عنها ويرجع في الاستحقاق إلى قيمة العوض. وكذلك قالوا، في الخلع بعبد بذلت المرأة لزوجها على أن فارقها، فاستحق العبد، فإنها لا ترجع إلى العصمة. وكان مقتضى الأصل الذي ذكرناه أن ترجع إلى العصمة، ولكن إذا حرمت الفروج فلا يصح بعد التحريم استباحتها إلا بعقد.

وكذلك لو تزوج رجل امرأة بعبد، فاستحق بكونه مغصوبا، أو بإثبات كونه حرا، فإن المرأة ترجع بقيمة العبد الذي أستحق من يدها، وكان مقتضى الأصل أيضا أن ترجع في منافع فرجها أو تمنع الزوج منها, لكن الصداق يجب بالوطأة الأولى، فكان ما بعدها من الوطء ليس بعوض عن الصداق فترجع فيه،

وأيضا فإن حل العصمة لا يكون إلا بطلاق، والزوج ها هنا لم يطلق: لكن المعيرة رأى أن إستحقاق العبد، الذي هو الصداق، يوجب رجوع المرأة على الزوج بصداق المثل، وهو عوض ما دقعت من منافع بضعهلا، لما لم يكن الرجوع في نفس ما دفعت وهو منافع البضع, لما قلناه.

وكذلك المكاتب إذا قاطع سيده على عبد معين، أو سلعة معينة، وأعتق المكاتب لأجل ما أدأه من عوض الكتابة، كما يكون حرا إذا أدى سائر نجومها بعينها، فإن استحق العبد الذي جعل عوضا عن الكتابة، فإنه إن علم أنه متعد فيه، لكونه لا يملكه، فإن العبد يعود إلى كتابته، وكأنه أراد استعجال العتق قبل وقته، فعوقب بحرمانه، ولأجل كونه عن (2) سيده الذي باع كتابته منه بعبد له فيه غرض، فإذا أخذ العبد وبطل غرض سيده الذي أخذه، رجج فيما كان العبد عوضا عنه وهو الكتابة. وأما إن كان دفع إليه عبدا يعتقد أنه ملكه، واستحق، والعبد لم يعلم حين دفعه لسيده أن العبد الذي دفعه عوضا عن كتابته مستحق،

فإنه يرجع السيد عليه بقيمة العبد المستحق حق يديه، ويتبعه بهذه القيمة إن كان فقيرا, ولم يمكن من الرجوع أي ابقائه عن (1) الكتابة لأن الكتابة غرر لا يدري السيد ما يحصل قيها وهل يعجز العبد المكاتب عن أدائها فيرق، أو لا يعجز فيعتق، والوجوع إلى الغرر ممنوع، كما قدمناه في الصلحع عن دار ادعاها مدع، ومن هي في يديه ينكر.

وهذه المسائل الخمس يخرجوا (2) بها عن الأصل المشهور لأجل ما عللناه، وهي الصلح عن دم العمد، وأخذ عوض عن الخلع، وعن النكاح، أو عن دعوى ينكرها المدعى عليه، أو عن كتابة المكاتب. ولا يظن أن المغيرة رجع إلى الأصل المشهور فيمن تزوجت بعبد فثبت أنه حر, لأنه قد قال كما قالته الجماعة في القول المشهور: تزوجت بعيد فاستحق بكونه مغصوبا، لرجعت بقيمة العبد لأجل أنه مما يصح تملكه، ولو أجاز سيده المستحق له فعل غاصبه، ونكاحه به، لمضى ذلك. بخلاف الحر الذي يستحيل أن يتملك شرعا، فصار ذلك في الحر كمن تزوجت على ألا صداق لها، واشتراط عدم الصداق يوجب صداق المثل، فلم يخرج عن المذهب المشهور إلا في هذه المسألة لكونها يتصور فيها معنى آخر يوجب للزوجة الرجوع بقيمة ما دفعت، وهو صداق المثل.

ولأجل هذا التعليل فرق سحنون بين فساد النكاح وصحته فيمن تزوجت بعبد فاستحق بحرية، أو برق، فقال: إن استحق بحريه فسخ النكاح قبل الدخول، وان استحق برق لم يفسخ النكاح، ورجعت الزوجة بقيمة العبد.

وهذمه التفرقة لأجل ما ذكرناه من كون العقد على الحر يستحيل في الشرع, فصار الفرج مبذولا بغيو عوض, بخلاف أن يستحق العبد برق، فإنه وقع العقد بما يصح تملكه. وإن كان ابن القاسم ساوى, ها هنا، بين استحقاق

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٨١