تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد اختلف الأصوليون في العموم إذا خرج على سبب هل يقضى على سببه، وتكون الألف والسلام. للعهد، والمراد يها السبب التى أجيب عنه باللفظ العام، أو يكون اللفظ متعديا شاملا للسبب وغيره, فإن قلنا: إنه مقصور على السبب لم يتعلق به في (3) المشتري إذا اغتل، فأتى من أستحق ما في يديه، ولا في

الأربع مسائل التي ذكرناها. وإن قلنا: إنه يجب حمله على العموم الذي اقتضاه الخطاب في اللغة حسن التعلق به في جميع المسائل التي ذكرناها.

لكن يبقى ها هنا نظر آخر، وهو تحقيق الضمان الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم بأن الغاصب يضمن عين ما اغتل إذا هلك، ويرد قيمته إن كان عبدا أو دارا.

وإن كان هلاكه بغير سبب منه يحسن التعلق فيه بقوله "الخراج بالضمان" والمشترى إذا هلك ما في يديه من غير سببه لم يضمنه للمستحق، ولا يغرم له قيمته، وإنما يتصور فيه الضمان من جهة أنه إذا هلك ما في يديه لم يرجع بالثمن على الغاصب الذي باعه منه، فصار الضمان يتصور في الغاصب في الأعيان، ويتصور في المشتري من الأثمان، وقد ذكرنا أن الحديث خرج على سبب، وهو التحاكم في غلة ما رد بعيب، فقال عليه السلام: "الخراج بالضمان". والمشتري إذا هلك ما في يديه قبل أن يطلع على العيب لم يرجع بالثمن على البائع، ولم يضمن غير ما في يديه. فصار الضمان ها هنا كالمشار به إلى ما تضمن عينه أو يضمن ثمنه.

وكان الشيخ أبو القاسم السيوري أفتى بأن الغلة يردها المشتري من الغاصب وإن لم يكن علم أنه غاصب، ويقول: قد اغتل المشتري مال غيره من غير إذن مالكه في التصرف فيه، ولا تسليط للمشتري في ذلك، فيجب أن يرد غلة ما اشتراه، كما وجب باتفاق ان يرد عين ما اشتراه. وقد بينا على مأخذ الخلاف في هذا، ومنشأ النظر فيه.

وإذا وضح حكم اغتلال الغاصب وما فيه من الاختلاف في حكم اغتلال المشترى، فالذي يغتل، هو وارث أو موهوب له، لا يرد الغلة إذا لم يتحقق كون من ورثه غاصبا. وهو محمول على انه اغتل بوجه شبهة لا على جهة التعدي. ولو اغتل وهو غير متيقن الإباحة. ولا متيقن التعدي، وإنما هو على الظن، مثل أن يشتري دارا من رجل زعم انها لرجل غائب وكله على بيعها، فإن

سحنونا عول في ذلك على ما تدل عليه قرائن الأحوال أو تقييده (1) من الظنون بصدق الوكيل، فقال: إن كان هذا الوكيل ينظر في الدار، ويقوم بأمر الغائب، فأتى الغائب فأنكر الوكالة فإن المشتري لا يرد الغلة. وإن كان لا سبب بينه وبين الغائب يدل المشتري على أنه صدق في الوكالة، فإنه يرد الغلة. ولو كان هذا الاغتلال لمن اشترى حرا يظنه عبدا فتبين أنه حر، فإن المذهب على قولين، في رد مشتريه ما اغتل منه، فالمشهور والمعروف من المذهب أنه لا يرد الغلة، وذهب المغيرة إلى أنه يرد الغلة. وهو اختيار شيوخنا الحذاق، لأجل أن الأصل في رد المغتل الغلة أو بقائها في يديه قوله عليه السلام "الخراج بالضمان" والحر لا تضمن عينه إذا بيع على أنه مملوك، ولا يضمن ثمنه لأنه لو مات في يد مشتريه لرجع بالثمن على من باعه منه لكونه اشترى مالا يصح تملكه في الشريعة، ولا عقد البيع عليه، ولا يضمنه بائعه بقيمته أو بالثمن الذي أخذ فيه، فوجب رد الغلة لعدم تصور الضمان في عين هذا الحر في ثمنه. ولو اشتراه وله مال لكان المال تبعا للحر.

ولو جرح هذا الحر فأخذ منه أرشا، لكان هذا الأرش لهذا الحر.

وكذلك لو وهب له مال فإنه إذا حكم بحريته بقي المال له.

ولو كانت جارية فوطئها وهي بكر أو ثيب، لم يكن عليه في الوطء، غرامة عند مالك وابن القاسم. وذهب المغيرة القائل برد الغلة إلى انه يرد عوض الوطء كما يرد الغلة، وعوض الوطء عنده ها هنا صداق المثل.

واعلم انا قدمنا في كتاب الغصب اختلاف فقهاء الأمصار فيمن وطئ حرة غير ممكنة له من نفسها، بل أكرهها على وطئها، هل يلزمه لها صداق المثل أم لا يلزمه لها غرامة، بل يقتصر فيه على الحد المشروع في الزنا؟ وأشرنا إلى سبب الخلاف في هذا، وهوا لنظر في كون منافع الفرج هل هو من الحقوق المالية التي يلزم في استهلاكها الأعواض، أو ليس هو من الحقوق المالية بدليل

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٧٥