تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويدافع أصحاب الشافعي هذه التفرقة بأن العلم بالمجهول بعد انعقاده جهل لا (2) يؤثر، ألا ترى أنه لو باع منه عبدا غائبا لم يوصف، ولم تتقدم مشاهدته، لفسد البيع، ولو قدم العبد وأحيط به علما بعد ذلك.

وأما ابن القصار، من أصحابنا، فسلك في الجواب طريقة أخرى، فقال: لا تمنع هذه الكفالة، لكن يقال للكفيل: بين لنا مقدار ما أردت بقولك: أتكفل

ببعض الدين. فيلزمه ما أقر به من ذلك.

وهذا أيضا قد يقولون فيه: إن هذه الكفالة إنما انكشف مقدارها بعد وقوعها فعاد الأمر إلى الجواب الأول.

فإذا صح ذلك فإن رضي المتحمل به والمتحمل له ليس بشرط في صحة الكفالة، بل يجوز أن يقول الرجل: أنا حميل لك بمن يثبت لك عليه دين وينعقد لك عليه، ثم يكون المكفول له بالخيار بين أن يقبل ذلك منه أو لا يقبل.

وكذلك لو لم يرض المتحمل عنه بالحمالة فإن من حق المتحمل له أن يطالب الحميل بما التزم من ذلك، كما لو التزم لرجل أن يقضي له دينا على رجل آخر. وهكذا الظاهر من مذهبنا أنا لا نشترط في صحة الحمالة معرفة من

يتحمل له: هل سهل في الاقتضاء أوصعب.

والثالث اشتراط المعرفة فيمن يتحمل له لأن المعاملة انحصرت بين الحميل وبينه ولا يشترط معرفة من تحمل عنه.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:

اعلم أن الحقوق المتحمل بها تتنوع أنواعها:

فمنها حمالة بحقوق تتعلق بالأبدان، وهي حقوق الله سبحانه، كالحد في الزني وشرب الخمر والقطع في السرقة، فهذا لا تجوز الحمالة به، إذ لا يجوز أن ينوب فيه أحد عن أحد، فيشرب رجل الخمر ويقوم الآخر بدلا عنه.

وكذلك في حقوق الخلق المعلقة بالأيدان، كرجل قتل رجلا أو قطع يده عمدا، فيقول آخر، اقتصوا مني بدلا منه.

ولو كانت الحدود التي هي من حقوق الله سبحانه إنما تثبت بالإقرار لكان التكفل بالطالب للمقر جائزا على القول عندنا: إن للمقر الرجوع عن اقراره وإن لم يظهر له عذر، وعلى القول بأن هروبه كالرجوع عن الإقرار. واختلفت الرواية في حديث العامرية: هل كفل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أقرت بالزنى وهي حامل حتى تضع حملها أو لم يكفل؟ وذلك جار على ما نبهنا عليه من هروب المقر ورجوعه عن اعترافه.

وأما الحقوق المالية فإنها أيضا تنقسم على أقسام: فمنها حق واجب لازم استقر وجوبه ولزومه كأروش الجنايات وقيم المتلفات، وأثمان السلع بعد قبضها، وصداق الزوجة بعد الدخول بها، فلا خفاء بجواز الحمالة بها. وكذلك لو كانت عقودا لازمة ولكنها قد يطرأ عليها ما يسقط اللزوم، كصداق الزوجة قبل الدخول بها، فإنها قد ترتد فيسقط جفيعه، أو تطلق فيسقط نصفه. وأثمان الاجارات قبل استيفاء المنافع، فإن الدار المكتراة قد تتهدم فيسقط الكراء والعبد المستأجر قد يموت فتبطل الإجارة، فهذا أيضا قد تصح الحمالة به.

ومنها ما ليس بعقد لازم كالجعالة على مذهب من رأى أن الجعل لا يلزم بالعقد كقوله: إن جئتني بعبدي الآبق ذلك عشرة دنانير، فإن هذا تصح الحمالة به أيضا قبل المجيء بالآبق، فإن جاء به لزم الحميل ما تحمل به وإن لم يأت به سقطت الحمالة. ولأصحاب الشافعي في هذا القسم قولان: أحدهما الجواز لقوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ (1)، فهذه كفالة بالجعالة.

والقول الآخر أن ذلك لا يجوز، لأن الثمن في الجعالة ليس بدين ثابت لإمكان الرجوع عن العقد على طريقة من ذهب لذلك، وإنما تصح الحمالة بما ثبت من الديون، ألا ترى أن الكتابة لا تصح الحمالة بها لما كانت ليست بدين ثابت على المكاتب، والحميل يحل محل المتحمل عنه، فإذا كان الدين ليس بثابت عدى الأصل فأحرى ألا يكون ثابتا على من هو فرع عنه وتبع له وهو الحميل.

وينفصل هؤلاء عما في هذه الآية -على القول بأنا متعبدون يشرع من كان قبلنا- بأن الحمالة ها هنا ليست مما يراد بها التزام المنادي بهذا الحق نيابة عن الملك، وإنما ورد هذا مورد التأكيد بأن الملك قال هذا الذي نادى به المنادي.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧١٥