تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا إنما يحسن الحجاج به على مذهب من قال من الأصوليين: إن اللغة تؤخذ قياسا. وأما من أنكر القياس على اللغة فإن هذا لا يلزمه. وكثيرا ما يتحد المعنى وتختلف أحكام إعرابه عند العرب، فلا يبعد أن يكون إخراج الأكثر من العموم يحسن عند العرب إذا كان بغير لفظ الاستثناء ويقبح إذا كان بحرف الاستثناء متصلا بالكلام.

وقد أشبعنا هذا الفصل فيما أمليناه من أصول الفقه في إيضاح المحصول من برهان الأصول.

وأما إن كان الإستثناء مساويا للمستثنى منه فإن المانعين لاستثناء الأكثر

من الأقل قد اختلفوا في ذلك: هل يلحق بالأقل أو بالأكثر؟ فظاهر كلام ابن القصار إلحاقه بالأقل. وابن درستويه نص على المنع منه وألحقه بالأكثر.

والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:

قد فرغنا من حكم الاستثناء إذا انفرد. ولكنه قد لا ينفرد ويلحق به استثناء آخر مثل أن يقول: له عندي عشرة دنانير إلا ستة إلا اثنين، فإن هذا يجب أن تعلم أن الاستثناء الثاني إنما يكون مما يليه من الخطاب، والذي يليه الاستثناء الأول، فإذا قال: له عندي عشرة دنانير، إلا أربعة، صار الباقي ستة.

فإذا قال بعد قوله: إلا أربعة إلا اثنين، فالإثنان ها هنا مستثناة من الاستثناء الذي قبلها وهو أربعة. فقوله: أربعة إلا اثنين يصير الباقي من أربعة اثنين فهي المستثناه من العشرة، فيكون عليه ثمانية دنانير، لأن الإستثناء لا يكون أبدا إلا ضد المستثنى منه. فإذا كان الكلام إيجابا كقولك: له عندي عشرة دراهم، كان قوله، عقيب ذلك: إلا درهمين نفيا لإيجاب الدرهمين عليه، والنفي ضد الإثبات. ولو كان افتتاح الكلام نفيا لكان الاستثناء اثباتا، كقولهم: ما جاء أحد إلا زيدا، فكل أحد لم يجىء وزيد قد جاء، فهو ضد ما قيل في أحد.

فإذا تقرر هذا فتسهيل معرفة هذا إذا كثر أن تبقي من العدد الاستثناء الأول، وما بعد الاستثناء الثاني تثبته، وما بعد الاستثناء الثالث تنفيه، وما بعد الاستثناء الرابع تثبته، هكذا أبدا. فلو قال رجل: لفلان عندي عشرة دراهم إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحد! لكان للمقر له على المقر خمسة دراهم، لأنك تنفي التسعة من العشرة فيبقى واحد. فإذا قال: إلا ثمانية، فذلك إسقاط الثمانية من التسعة، وهو إثبات، لكون التسعة نفيا، فيضيف الثمانية إلى الدرهم فيصير معك تسعة. فإذا قلت:

إلا سبعة فذلك أيضا إسقاط لبعض ما أثبت من الثمانية، وقد كانت الثمانية اثباتا فتكون السبعة نفيا فيبقى اثنان، فإذا قلت: إلا ستة، فيكون ذلك اثباتا لكون

السبعة نفيا، فيضير معك ثمانية. فإذا قلت: إلا خمسة، كان ذلك نفيا، لكون الستة إثباتا، فيبقى معك ثلاثة. فإذا قلت: إلا أربعة، أكان ذلك نفيا، لكون الأربعة إثباتا، فإذا قلت: إلا ثلاثة، كان ذلك نفيا لكون الأربعة إثباتا، (1)، فإذا قلت: إلا اثنين كان ذلك إثباتا، لكون الثلاثة نفيا، فتبقى معك ستة. فإذا قلت: إلا واحدا، كان ثفيا لكون الاثنين إيجابا، فتبقى معك خمسة.

هكذا وجه العمل في تكرير الاستثناءات بعضها من بعض.

واعلم أنه بقي من تقسيم الاستثناء:

استثناء الكل من الكل، مثل أن يقول: له علي ألف درهم إلا ألف درهم.

واستثناء أكثر من الجملة كلها فيقول إلا ألفي درهم.

فإن هذا الاستثناء باطل باتفاق، فيصير في معنى قوله: "له عندي ألف درهم لكن ذلك كذب وباطل". فلا يقبل ذلك منه. وذكر ذلك ابن سحنون وقال: هذا الحكم في اجماعنا. وذكر غيره أيضا الاتفاق على من قال: امرأتي طالق ثلاثا إلا ثلاثا، فإن الطلاق الثلاث، لكونه أثبت الكل ثم رفع الكل.

وقد فرع العلماء مسائل في تكرير الاستثناء في الطلاق، فإذا قال القائل:

امرأتى طالق ثلاثا إلا ثلاثا لزمه الثلاثة، كما قلنا. ولو قال: امرأتي طالق ثلاثا إلا ثلاثا إلا اثنين. لم يلزمه سوى طلقة واحدة، لما أصلناه لك من كون الاستثناء مضافا لمقابله. فإذا قال: أنت طالق ثلاثا، فقوله: إلا ثلاثا، نفي الثلاثة، وقوله، عقيب ذلك،: إلا اثنين، نفي من الثلاثة التي قبلها. فهذا مما

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٧٧