أحدهما. الإستثناء من جنس المذكور.
والثاني: أن (1) الاستثناء من غير الجنس.
فأما الاستثناء من جنس المذكور فكقوله: له عندي مائة درهم إلا درهما.
وأما الاستثناء من غير الجنس فكقوله: له عندي مائة درهم إلا قفيز حنطة، أو إلا ثوبا.
فأما إذا كان الاستثناء من الجنس فإنه يقع على ثلاثة أضرب:
أحدها، استثناء قليل من كثير، كقوله: مائة درهم، إلا درهما أو إلا عشرة. والثاني: استثناء يساوي المستثني ما استثنى منه كقوله: عندي مائة درهم إلا خمسين درهما.
والثالث أن يستثني أكثر عدد من أقله، كقولك له عندي مائة درهم إلا تسعين، أو إلا ثمانين.
فأفا إذا استثنى أقل العدد فإنه جائز. ولم يذكر فيه خلاف عند، عامة العلماء والنحاة. وذكر عن قوم شذوا فقالوا باستقباح ذلك إلا أن تدعو ضرورة إليه، كاستثناء الكسور. كقولك: علي مائة درهم إلا (1) عشرة دراهم أو إلا نصف درهم.
أن قول القائل: عندي مائة درهم إلا عشرة دراهم يعني عنه قوله: له عندي تسعون درهما. والكلام الصحيح ما استغني عنه (1) عن الإطالة والحشو إلا (2) يفيد.
ونقضوا ذلك عليهم بقوله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ (3)، وهذا استثناء أقل من أكثر (4) من غير أن يكون كسرا في العدد.
وأجابوا عن هذا بأن هذا في معنى الكسر لأن التجزئة المفتوحة (5) من
النصف إلى العشر، وهذا كالكسر، لأن الخمسين من الألف كنصف العشر، فصارذلك في معنى استثناء الكسر.
وهذا الذي قالوه مستنكر عند جميع العلماء من أهل الفقه واللسان.
وأما استثناء الأكثر من الأقل، فالمشهور عند سائر الفقهاء جوازه. وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأكثر أهل اللسان.
وخالف فيه من الفقهاء عبد الملك ببن الماجشون من أصحاب مالك، فلم يجزه، ومن النحاة ابن درستويه فلم يجزه أيضا، وذكر أنه ناظر على ذلك أبا علي بن أبي هريرة وهو من كبار أصحاب الشافعي.
واعتذر بعض الأشياخ عن ابن الماجشون بأنه لم يخالف في الحكم، وإنما خالف في استعمال العرب لذلك، فرأى أنها لم تستعمل استثناء الأكثر من الأقل، ولكنها وإن لم تستعمل ذلك فلا يسقط حكم الإستثناء في إقرار المقر إذا قال: له عندي مائة درهم إلا تسعين درهما. ويعتمد في ذلك على أن الاستثناء إنما يتبع فيه لسان العرب، وفي غيره من أنواع الكلام، ولم ينقل عنها استعمال استثناء الأكثر من الأقل، فوجب ألا يدخل ذلك في أحكام اللسان. واعتمد الجمهور على قوله تعالى: ﴿رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض﴾ (1) إلى قوله: ﴿من اتبعك من الغاوين﴾ (1) فاستثنى في هذه الآية المخلصين تارة، واستثنى تارة الغاوين ولا بد أن يكون أحدهما أكثر من الآخر في الظاهر والأغلب. فتحصل من ذلك جواز استثناء الأكثر من الأقل. فانفصل بعضهم عن ذلك بأن قال: المخلصون ها هنا الملائكة والنبيون، وهم المراد بذلك إذ لم يذكر في صدر هذا الكلام لفظ سائر العباد، ومعلوم أن الملائكة والنبيين وجميع من في السماوات هم أكثر من الغاوين.
وهذا إذا حمل الكلام عليه كان استثناء من النوع الذي أجزناه وهو استثناء
الأقل من الأكثر، مع أنه أيضا إذا لم يعلم من (1) الأقل السامع جاز ذلك. وإنما يقبح إذا استثنى ما يعلم السامع أنه أكثر مما أبقاه. وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: ﴿قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا﴾ (2) وهذا لما ذكر الزيادة اقتضى ذلك الاستثناء (3) الأكثر من الأقل لأن قوله تعالى: ﴿إلا قليلا﴾ استثناء جار على الأصل وهو استثناء القليل، وقوله تعالى: ﴿نصفه﴾ كأنه بدل من قوله تعالى: ﴿قليلا﴾ وعطف عليه قوله: ﴿أو زد عليه﴾. وأنشدوا أيضا في ذلك قول الشاعر:
أدوا التي نقصت تسعين من مائة ... ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا
وهذا استثناء الأكثر من الأقل وإن لم يكن بحرف الإستثناء لكنه بكلمة ثابت مناب حرف الاستثناء، وهو قوله: التي نقصت تسعين من مائة. وأيضا فإن التخصيص للعموم هو بيان مراد المتكلم، ويجوز التخصيص وإن كان ما خصص أكثر مما بقي في العموم، وكذلك يجب أن يكون في الاستثناء.