وأما لو أقر السفيه بحق يتعلق ببدنه لا بماله، كاعترافه بشرب خمر فإنه يضرب الحد، ويؤخذ باعترافه. وكذلك اعترافه بالزنى وبالسرقة، فإنه يؤخذ باعترافه أيضا بما يتعلق ببدنه.
والفرق بين اعترافه بما يوجب الحد عليه أو القصاص أنه إذا كان عاقلا فلا يتهم العاقل أن يوقع نفسه في قتله، أو قطع عضو من أعضائه، أو ضرب يؤلمه، ويتهم في المال أن يتلفه بهواه في نفسه وعمايته، من كون فقده يضربه. وهذا في حق من حجر عليه لحق نفسه.
وأما من حجر عليه لحق غيره كالمفلس. فقد ذكرنا حكم إقراره بعد استقرار الحجر عليه، وأن ذلك لا يوجب أخذ شيء مما وجب عليه فيه من ماله. ولكنه يبقى في ذمة (4) المقر له.
وذكرنا إقراره قبل الحجر عليه وقد أحاط الدين بما له لمن يتهم عليه ومن لا يتهم عليه.
وكذلك المريض تعلق به حجر ما لحق ورثته. فقد تكلمنا على إقراره في مرضه بدين لأجنبي، وعليه دين ببينة. وكذلك إقراره بدين لوارث. وذكرنا في كتاب المديان ما بين فقهاء الأمصار: مالك والشافعي وأبي حنيفة من الاختلاف، في هذا، وما وقع فيه أيضا في المذهب من الاختلاف، فيستغنى بمطالعته هناك عن إعادته ها هنا.
وأما من حجر عليه لحق سيده، فسنتكلم على إقراره في كتاب المأذون له في التجارة إن شاء الله تعالى.
وقد أوضحنا حكم الإقرار بحقوق الخلق مجردة من حق الخالق، وحقوق الخالق مجردة من حق الخلق.
وقد يقع ما هو مشترك بين هذين الحقين مثل الإقرار بأنه سرق مالا، فإن السفيه والعبد يؤخذان بإقرارهما فيما يتعنق بأبدانهما من قطع أيديهما إذهما عاقلان، ولا يتهم العاقل في اقراره باطلا بما يوجب قطع يده، ويتهم في المال، فيقطعان، ولا تلزمها غرامة لما ذكرناه، وإن كان للشافعية قولان في إلزامهما الغرامة:
أحدهما: ما حكيناه عن مذهبنا من أن الغرامة لا تلزمهما.
والثاني أن ذاك يلزمها لكون هذا الإقرار بلفظ واحد يتضمن شيئين أحدهما مرتبي بالآخر. فإذا وجب أحدهما وهو القطع ارتبط به الآخر الذي لا ينفك عنه في الشرع وهو غرامة المال.
وأما تمكين المقر من الرجوع عن إقراره في حقوق الله سبحانه، على خلاف فيه، إذ لم يتعذر (1) عن إقراره (2) يجب قبوله، فإن ذلك مبني على أن حقوق الله مبنية على المسامحة، إذ هو سبحانه يتقدس من أن يلحقه الضرر
والأذى بمعصية العاصي إذا. وجب حده. وحقوق المخلوقين يلحقهم الضرر في تمكين المقر من الرجوع عن إقراره، فلهذا اتفق على أن المقر بحق المخلوقين لا يقال فيه ولا يفيده الرجوع عنه.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
إذا أقر الرجل بمال لمن يستحيل أن يكتسب المال ويضاف إليه، كقوله: لهذا الحجر عندي مائة دينار، فإن هذا الإقرار ساقط، بإسناد الملك لمن يستحيل أن يملك على حال من الأحوال، لكن لو أسند ذلك إلى من يصح أن يملك على صفة، ويستحيل أن يملك على صفة أخرى، كقوله: لهذا العمل علي مائة دينار، فإن ذلك لا يخلو من أن يقيد هذا الإقرار بصفة يصح أن يضاف الملك إلى العمل، كقوله: لهذا العمل علي مائة دينار من وصية أوصي له بها، أو سبب ميراث. فإنه إن قيد الإقرار بذلك صح؛ لأنه العمل يصح أن يملك الوصية بمال وبالميراث.
وإن أطلق ذلك، ولم يذكر سبب إضافة هذا الملك إليه، وتعذر استفساره، فهل يمضي هذا الإقرار أم لا؟
ذكر ابن سحنون أن هذا الإقرار يمضي، ولو أضافه إلى سبب يستحيل، كقوله: لهذا العمل عندي مائة دينار. أسلفها لي. وتعد هذه الزيادة ندما.
وهكذا ذكر ابن عبد الحكم أن الإقرار يلزم فيمن قال: لهذا العمل عندي مائة دينار، ولم يذكر سببا.
وهكذا قال أصحاب أبي حنيفة: إن هذا الإقرار (1) بالحمل لا يلزم. لكنهم قالوا: يلزمه إذا أقر له حين ولد. قال محمد بن عبد الحكم: ولا فرق بينهما.
ذكر هذا في مناقضته لهم. وللشافعي قولان في لزوم هذا الإقرار إذا أطلقه ولم يذكر سببا.