تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأما من لم يبلغ الحلم ولا بلغ كمال التمييز، كالأطفال الذين لا يميزون المصالح من المضار ولا يكفون عما يضرهم ولا يعلمون ما ينفعهم، فإن إقرارهم لا يختلف في أنه غير لازم.

وأما المراهق منهم، ومن استقل بتدبير نفسه، فكذلك أيضا عندنا، وعند الشافعي أنه لا يلزمه إقراره، قولا مطلقا.

وألزمه أبو حنيفة إقراره بشرط أن يأذن له وليه في ذاك. وتعلق أصحابه بما روى (ابن عمر: أن أبا سلمة) (2) قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -"قم يا غلام فزوج أمك" الحديث (3).

وقد قيل: إنه كان عمره ست سنين أو سبع سنين.

وأجيبوا عن هذا بأنهم غلطوا بين اسم واسم، فإذا قيل: إن عمر المخاطب الذي ظنوه ابن ست سنين ونحوها هو عمر بن سلمة كان يصلي بقومه وهو صغير، وبه يحتج الشافعي على جواز إمامة الصبي الصغير في الفرائض.

وأما من خاطبه النبي عليه السلام بأن يزوج أمه فيمكن أن يكون بالغا.

وقد علم أن إقرار الوصي لما لم يتول المعاملة فيه له لا ينعقد، ولا يلزم

اليتيم. فإذا كان قوله عن يتيمه لا يلزم اليتيم. فأحرى أن لا يلزم ما أقر به اليتيم في أن يقول ما يؤدي في الظاهر إلى ماله.

وأما المجنون والمغمى عليه فواضح رد إقرارهما؛ لأن الواقع منهما من القول إنما ينبعث عن النفع (1) الذي يحركها الطبع، لا على النفس التي يحركها العقل والقصد.

فأما السكران فقد بسطنا القول فيه في موضعه مما سلف، وذكرنا أن في طلاقه في المذهب قولين.

الأشهر منهما إلزامه الطلاق. ولكون الطلاق من ناحية الحدود يلزمه.

وفي إلزامه بيعه وشراءه قولان أيضا. وهذا لأن في بيعه وشرائه، يجريان (2) في إقراره، فيكون المذهب على قولين في سقوط إقراره قياسا على المجنون لفقد عقله، وإمضاء اقراره لكونه عاصيا في شربه ما أذهب العقل.

وأما من خاطبه الشرع وكلفه، وهو البالغ الرشيد، فالأصل إلزامه إقراره. ودليل ذاك الكتاب والستة وإجماع الأمة.

فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (3) فنص ها هنا على التقرير على الإقرار فنبه بذلك على إلزام المقر ما أقر به.

وكذلك قوله تعالى: ﴿قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل﴾ (4). وكذلك قوله تعالى: {فاعترفوا بذنبهم فسحقا

لأصحاب السعير} (1).

وكذلك قوله تعالى:

﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا﴾ (2)

وهذا تنييه أيضا على تأكيد إلزام المعترف باعترافه وأنه حكم عليه بما اعترف به من ذنب.

وكذلك قوله تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ (3) والمعترف شاهد على نفسه. فلولا أن شهادته على نفسه تقبل ما كان لهذا الأمر فائدة. وقد قال تعالى: ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ (4)، فأمر ولي اليتيم أن يملي في إثبات الشهادة على من في ولأنه. وهذا يتضمن جواز إقرار وليه عليه.

وقد علم أن تصرف الإنسان في مال نفسه (أو بيع من تصرفه في مال غيره) (5)؛ لأنه يتصرف في مال نفسه بالمجاملات والهبات، ولا يتصور (6) في مال اليتيم بالعطايا والهبات. فإذا جاز إقراره على من في ولأنه، فأحرى أن يجوز إقراره على نفسه.

وأما السنة فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "واغد يا أنيس على امرأة الآخر فارجمها" (7) فأباح - صلى الله عليه وسلم - القتل بالاعتراف بما يوجبه مع أكيد حرمة النفس ودرء الحد بالشبهات، فأحرى في المال أن يكون الاعتراف قد يقضى به على المعترف.

وكذلك رجم ماعز لما اعترف.

وأما الإجماع فلا خلاف في إلزام المقر به عن نفسه ما لم يمنع من ذلك مانع.

والموانع ها هنا سفه المقر: فإقراره لا يلزمه وإن كان بالغا مليئا؛ لأنه إنما حجر عليه صيانة لماله، فلو ألزمناه إقراره في ماله لأتلفه، وهذا نقض لحكمة الشرع في منع الله سبحانه أن يؤتى السفهاء أموالهم. وإنما وجب رد إقراره في حال سفهه لم (1) يلزمه ولو (2) رشد؛ لأن ذلك لم (3) ألزمناه إياه بعد رشاده لم يفد الحجر عليه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٦٢