تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الموطأ، وهو إمام في الحديث، وروى عنه الشافعي الأحاديث واعتمد عليها.

وأما طريق النظر فإن الشافعي يقول: "فإنا اتفقنا على أن البائع أحق بسلعته في الفلس، ولا فرق بين الفلس والموت، فيجب أن يكون أحق بسلعته أيضا في الموت، ومن (1) ورث السلعة عنه (أعظم أبيه أن يحل محله ويستحق ما يستحق) (2)، فإن كان المشتري حيا وحكمنا لبائع السلعة إذا فلس المشتري (3) أحق بها، فكذلك يجب أن يكون أحق بها إذا مات وتركها، لأن ورثته يحلون محله وحقهم في المال على حقه.

وهذا القياس يعتمدون عليه، ويرون أن علة كون البائع أحق بسلعته في الفلس ما طرأ على ذمة المشتري من عيب وهو خراب الذمة وفقدها، وهذه العلة بعينها موجودة في موت المشتري.

وأصحابنا يجيبون عن هذا بأن تغليب أحد الضررين أصل في العلم عظيم، فإذا قضينا يكون البائع في فلس المشتري أحق بسلعته، فقد أبقينا لمن سواه من الغرماء ذمة يرجعون إليها، وترجى عمارتها في المستقبل، وملاؤها، ولا يلحقهم ضرر كثير، ويلحق البائع إن منع من سلعته ضرر أشد من ضررهم.

وهذا قد عكسه القوم علينا فقالوا: إذا كان الغرماء -وهم جماعة- لا يشاركون البائع في سلعته في الموت، وهم سواء (من أن يقضى من ديونهم شيء بذلك آكد) (4) في أن لا يقدم عليهم بائع السلعة لعظم ما يلحقهم من الضرر من كونهم لا يرجون قضاء ديونهم في المستقبل، ويرجون ذلك إذا كان المفلس حيا. وهذا لعمري يضعف الانفصال عن هذا الانعكاس، كما أن قول أصحابنا: إن السلعة إذا كان بائعها أحق بها في الفلس إذا بقيت على ملكه فلو تعلق بها

حق للغير فإن بيعها من حر (1) أسقط باتفاق تعلق حق البائع بها، ولكن له استرجاعها، فكذلك الوارث وقد تعلق له حق بالسلعة وانتقل الملك إليه، فيكون ذلك مانعا للبائع من أخذ سلعته.

وهذا قياس مطلوب لأن الوارث انتقلت السلعة إليه بغير عوض بذله فيها بخلاف مشتريها بعوض. هذا أيضا وقد لا يسلم انتقال الملك إلى الوارث إذا كانت التركة أحاطت بها الديون، لقوله تعالى في أحكام الميراث وبيان تفاصيله: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ (2). فإنما حكم البنت بالنصف، ولكل واحد من الأبوين السدس بعد قضاء الدين والوصية. فجعل تمليكهم لما ترك الميت مشروطا بعدم ديون تستغرق التركة فالأولى عندي الاعتماد على رواية مالك في الموطأ وترجيح نقله عن نقل غيره وأما الأقيسة فلا تكاد تسلم لنا من القوادح.

واعلم أيضا أن بائع السلعة إنما يكون (3) بها إذا لم يكن في يد المشتري ما يوفي ثمنها، ويجتمع الديون عليه كما قدمناه في وصف من يفلس ومن لا يفلس وأما الموت فنحن نقول: إنه لا يكون أحق بسلعته وأصحاب الشافعي يقولون: إنه أحق بسلعته. ولكن يشترطون أن يكون الميت لم يخلف وفاء لما عليه من الديون. لكن الاصطخري انفرد من جماعتهم وذهب إلى أنه يكون أحق بسلعته في الموت، وإن خلف الميت ما يقضى منه ثمنها وما عليه من الديون، تعلقا منه بقوله عليه السلام: "إذا أفلس أو مات فهو أحق بمتاعه" الحديث المتقدم. فتعلق بعموم قوله: "أو مات" ولم يشترط - صلى الله عليه وسلم - أن يموت وعنده وفاء بما عليه أو ليس ذلك عنده.

وقال بعض أصحاب الشافعي إن في طرق الحديث اشتراط ألا يخلف وفاء، فقال: هو أحق بسلعته ما لم يخلف وفاء. وأيضا فإن كونه أحق بالسلعة معلوم أن علته خراب الذمة وما طرأ عليها من عيب نقص به البائع من ثمن

سلعته، فإذا كان يجد ثمنها بكماله فلا معنى ولا وجه يستحق به استرجاعها، كما لو كان المشتري حيا وقضاه ثمنها بكماله. واعتل الاصطخري بأنه إذا منع من سلعته فأعطي ثمنها فقد يطرأ غرماء آخرون ولم يعلم به (1) فيطلبونه باسترجاع بعض الثمن الذي قبض بحسب ما توجبه المحاصة. كما لو طرأ غريم لم يعلم به على غرماء فإنه يرجع عليهم بما يوجبه الحصاص معهم. وهذا أيضا من المجوزات التي يندر وقوعها، ولم يلتفت الشرع إلى مثلها، ولو التفت إليه لوجب أيضا أن يحرم الولد ميراث أبيه لجواز أن يطرأ دين عليه يمنعه الميراث وهذا لا يصح أن يذهب إليه أحد.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦١٥