والجواب عن السؤال الثالث أنه قال:
((فوجده بعينه)). والوديعة يأخذها صاحبها وجدها بعينها أو تغيرت.
والفلس سنتكلم على حكم وجود ما باع وقد تغيرت.
والجواب عن السؤال الرابع: أنه قال:
((فهو أحق بها)) ولفظة "أحق" إنما تستعمل في مفاضلة بين صنفين موجودة في اثنين كقولنا: فلان أفقه من فلان. بمعنى أن فلانا له فقه أكثر من فقه فلان الآخر وإن استعمل بمعنى السلب، كقوله تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا﴾ (2).
وإن كان أهل النار ليس لهم مستقر ولا مقيل حسن وكما يقال: العسل أحلى من النحل، وإن كان النحل لا حلاوة فيه، فإن هذه إنما تستعمل نادرا على جهة التجوز.
ومما اعتمد في الرد على أبي حنيفة من جهة القياس بعض الحذاق أن الثمن والمثمر شيئان في كون أحدهما عوض الآخر لا فرق بينهما في ذلك. ولو
أسلم رجل لآخر ثوبا في طعام، فحل الأجل، وعجز المسلم إليه عن قضاء ما عليه من الطعام وفلس، لكان من حق بائع الثوب أن يسترده، ويفسخ البيع فيه.
فإذا كان فيه: تعذر استيفاء المثمون يوجب للمشتري حقا في الفسخ، فكذلك يجب أن يكون تعذر استيفاء الثمن يوجب للبائع حقا، وفسخ العقد، واسترجاع سلعته.
وقد ألزم بعض العلماء في السكة إذا انقطعت، أو الفلوس إذا فسدت، وكانت ثمنا، فإن لبائع السلعة فسخ العقد لتعذر استيفاء الثمن. وإن كان بعض حذاق الشافعية مال عن هذا ولم يرضه، لكون الأثمان، التي هي الدراهم والدنانير، وإن لم توجد في بلد وجدت في آخر، ولو انقطعت في سائر البلاد على بعد في تصوير هذا فإنها لا عوض في عين هذا إنما العوض منها المالية لا الجنسية، وإنما تذكر في البياعات ليعلم ما تقع المطالبة فيه، والسلع، وإن كانت هي مالية، فالجنسية مقصودة فيها، فلهذا فسخ العقد ((والفلس، ولو نوقض)) (1) أبو حنيفة بكونه يرى أن من باع سلعة ولم يسلمها حتى فلس المشتري، فإن بائعها أحق بالاختصاص بها من سائر الغرماء، على اختلاف عندهم: هل يكون أحق بعينها ولو تسلمها المشتري أو تباع ويكون أحق بثمنها؟. وهذا قول يناقض به لكون بقاء السلعة في يده يقتضي ترجيحه وكأنها رهن في يده بالثمن فهذا غاية فيما بيننا وبين أبي حنيفة.
وأما ما بيننا وبين الشافعي من الخلاف، فإنا اتفقنا وإياه على أن البائع أحق بسلعته في الفلس دون الموت.
وذهب هو إلى أنه أحق بسلعته في الوجهين جميعا: الفلس والموت.
واعلم أيضا أن سبب هذا الاختلاف اختلاف الروايات عن أبي هريرة، وقد قدمناها. ومما ذكرناه فيها رواية مالك في الموطأ الحديث عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن من قول النبي عليه السلام: "إن البائع أحق بسلعته في
الفلس وهو أسوة في الموت".
والشافعي أجاب بنفسه عن هذا بأنه حديث مرسل، وهو لا يقول بالمراسيل. فإن شئنا حاججناه في الأصل الذي خالف فيه، ونصرنا القول بقبول المراسيل من الثقاة، على أصل أصحابنا. وإن شئنا منعناه من كون الحديث مرسلا، وقلنا: قد قدمنا أن عبد الرزاق أسنده إلى أبي هريرة عن النبي عليه السلام. وعبد الرزاق ثقة رواه عن مالك مسندا.
وقدح الشافعي، أيضا، في الحديث من غير جهة الإرسال، بأن قال: قوله: "وإن مات فهو أسوة الغرماء" يحتمل أن يكون استئناف جملة قالها أبو بكر بن عبد الرحمن حكايته عن مذهبه وذكرنا أن هذا تطرق إلى هدم أصول عظيمة حتى تتعطل أكثر الأحاديث.
وأما الشافعي فإنه تعلق بحديث روي عن أبي بريد عن ابن أبي ذئب عن المعتمر عن أبي خلدة عن أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر حديثا ساوى فيه بين الفلس والموت، فقال: "إذا فلس المشتري أو مات فصاحب المتاع أحق بمتاعه" (1).
وهذا أيضا طعن فيه أصحابنا يكون ابن أبي ذئب انفرد بروايته دون غيره من الأئمة الذين رووا الحديث، والإنفراد يوهن النقل عند المحدثين. ولكن لهم أيضا أن يقولوا في رواية عبد الرزاق المسند لحديث الموطأ عن أبي بكر عن أبي هريرة أن عبد الرزاق انفرد بإسناده دون غيره من الأئمة الذين رووا الحديث عن مالك وسمعوا منه موطأه ولكن إذا سلكنا طريق الترجيح فرواية مالك مقدمة على رواية غيره، لأنه اشتهر القول من الأئمة: إن ما بعد كتاب الله أصح من