وأما لو فلس الميت لكفن قبل قضاء دينه، كما يكسى من حجر عليه الغرماء في حياته. واختلف العلماء: هل يقتصر في تكفينه على لفافة واحدة أو يكفن في ثلاثة؟ فالواحدة تجزيه، والثلاثة هي المشروع المستحق في أقل ما قيل.
وعندي أن هذا يتخرج فيه ما حكيناه في ثوبي جمعته لأنهما (إنما إذا بقيت) (2) لما كانت من اللباس المشروع المسنون في الشريعة. وكذلك الخلاف في الأعداد التي ذكرناها.
وأما تكفين ولد المفلس فهو جار على ما ذكرناه أيضا من لباس ولده الحي إذا فلس.
وأما الزوجة فكذلك أيضا يجري الأمر في تكفينها، إذا قلنا: إنه لازم للزوج، على أحد القولين، على ما قدمناه من الكلام في كسوتها وهو حي.
واختلف في بيع ما عنده من كتب الفقه، فقيل في الموازية: لا يباع ذلك عليه في الدين، ولا يورث عنه ذلك، ووارثه وغيره ممن هو أهل لقراءتها فيها سواء.
وهذا مبني على المنع من بيع كتب الفقه، وأما على القول بجواز بيعها فإنه لا
يختلف في بيعها عليه وقد قال محمد بن عبد الحكم: بيعت كتب ابن وهب بثلاثمائة دينار بحضرة أصحاب مالك، وكان أبي وصيه، ولم ينكر ذلك منهم أحد.
وكان شيخنا يتردد في بيع آلة الصانع إذا فلس، كمطرقة الحداد، وإزربة (1) الكماد (2)، ومقص الخياط.
وهذا يؤخذ حكمه مما قدمناه، فإن كان ذلك يسيرا، ولا يصح أن يقام أوده إلا منه، لم يبع ذلك عليه، وحل ذلك محل نفقة الأيام والشهر، كما قدمناه، ولا يباع عليه مدبره إذا كان التدبير سابقا للدين، ويباع عليه من خدمته ما يجوز بيعه، وكذلك المعتق إلى أجل.
ولكن يختلف أمر الإجارة فيهما، المدبر يضيق في المدة التي يؤاجر فيها للغرماء بأشد مما يضيق في إجارة المعتق إلى أجل، لكون العوز في أمد إجارة المدبر من وجهين: موت المدبر، فتفسخ الإجارة بعتقه من تلثه، على ما يذكر تفصيله وتقديره في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولو دبر ولد أمته، وهو صغير لا يجوز تفرقتها منه، لم تبع الأمة عليه في الدين حتى يبلغ الولد التفرقة.
ولو ورث أباه لبيع عليه في الدين. ولو وهب له أعتق عليه (أو في الدين) (3) لأن الواهب إذا علم أن ملك ولده لا يستقر عليه، فكأن الواهب إنما وهبه للعتق لا للملك إلا أن يكون الواهب لم يعلم بأنه أب للموهوب له، وإنما قصد به التملك، فيباع حينئذ في الدين.
وأما لو اشتراه الابن، فقيل: يفسخ البيع، لئلا يكون سببا في بيع أبيه
باختياره، على ما سنبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.
فأما لو كان المديان نصرانيا فترك الخمر والخنازير، لم يبعهم القاضي في دين عليه للمسلمين، ولكن يراقب حال الورثة النصارى، فماذا باعوا ذلك وصار في أيديهم أثمانها الجائزة، تملكها باعها في دين الغرماء.
وكذلك لو أرسى مركبا بساحلنا، وفيه الخمر والخنازير، فلا يباع شيء من ذلك لأخذ عشرها، ولكن إذا باعوا أخذ منهم العشر على ما سنبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وإذا تقرر أن المفلس يباع عليه كل ما وجد في يده مما استقر ملكه عليه سوى ما استثنيناه مما تقدم بيانه، فإنه لا يجبر أن يتطلب زيادة فيما يملك، فلو دعا الغرماء إلى أن يتجر لهم بالمال الذي فلسوه فيه وحجروا عليه التصرف فيه، لم يلزمه ذلك. وكذلك لو وجبت له شفعة، في أخذها حظ الغرماء وزيادة على ثمنها الذي تستشفع به إذا بيعت، لم يجبر على أخذ ذلك، وإن كان الشرع قد جعل له أخذها إذا شاء، لأن الشرع لم يجبر الشريك على الأخذ بالشفعة، وإنما خيره بين الأخذ أو الترك، وإجباره على أخذها خلاف ما أصله الشرع. هذا مع كون الشفعة كابتداء بيع على أحد القولين.
وقد قدمنا أنه لا يلزمه أن يتجر للغرماء في المال الذي حجروا عليه فيه، وأيضا فإنه إذا أخذ بالشفعة وأجبر على ذلك، وبيع عليه ما أخذه بالشفعة، والعهدة عليه، فلا (تلزمه إلزام) (1) عهدة يدخل فيها بغير اختياره، ولم يستقر ملكه على ما يوجب العهدة عليه فيه.