ومن الأشياخ من سلك طريقة أخرى وتوسط فيها بين هاتين الطريقتين، فرأى أن الأجل إذا كان لم يحل احتيج في شراء الكفيل إلى إقرار الغريم، لكون الكفيل لم يتوجه عليه طلب، وإذا حل الأجل لم يفتقر في شراء الكفيل إلى إقرار الغريم، لكون الطلب متوجها عليه. وبعضهم يتردد في هذا التفصيل ويقول: قد لا يطلب الحميل وإن حل الأجل، وإذا أمكن أن لا يطلب إذا حل الأجل صار ذلك كشرائه قبل حلول الأجل. وبعضهم يشير إلى أنا إن قلنا بأحد قولي مالك من كون مستحق الدين مخيرا بين طلب الغريم أو الكفيل اتضح كون الكفيل كغريم اشترى ما عليه. وإن قلنا: إنه لا يطالب إلا بعد تقرر أخذ الدين ممن هو عليه، أمكن ها هنا أن يعتبر الإقرار ليطلع على ملائه من فقره لما ذكرناه من التجويز المتطرق إلى غريب غائب، وأيضا فإن الطلب يتوجه على الكفيل في عينه. وأما مع حضوره وملائه ففيه الخلاف الذي ذكرناه. وقد قال ابن المواز أنه لا يفتقر (2) شراء الكفيل من شراء غيره إلا في وجه واحد وهو أن الكفيل لا يجوز له أن يشتري الدين الذي تكفل به إلا بما يجوز لمن هو عليه أن يشتريه.
فإذا أسلم رجل دنانير في ثياب فإن الغريم الذي عليه الثياب لا يجوز أن يقضي
عنها دراهم أو ذهبا أكثر مما قبض لئلا يكون قد قبض دنانير ورد أكثر منها فيكون سلفا بفائدة، أو قبض دنانير ورد دراهم فيكون صرفا مؤخرا، فكذلك الكفيل يمنع من الشراء بهذا لأنه كغريم ثان.
هذا الذي أشار إليه ابن المواز. وظاهره يقتضي أنه يفتقر في إجازة شرائه إلى إقرار الغريم كما يفتقر إلى ذلك في شراء هذا الدين من لم يتكفل به، لقوله: إنهما لا يفترقان إلا في وجه واحد. وذكر ما حكيناه أنه أشار إليه.
وقد قال بعض الأشياخ: إن هذا الذي ذكره من منع الكفيل أن يشتري بما لا يجوز أن يقيل أحدهما من جميع ما عليه، وقدر أنه وإن أقاله من جميع ما عليه فإن ما سوى ذلك مما يحل كأنه عليه وهو غريم مطلوب به، فمتى أقاله من كل ما عليه فكأنه أقاله من بعض ما عليه، والإقالة من بعض ما عليه لا تجوز.
وهذا يشير إلى ما قال ابن المواز من أن ما يطلب به الكفيل بحق الحمالة هو كما يطلب به بحق المعاملة التي عامل لنفسه.
وبعض الأشياخ يشير إلى أن هذا إنما يحسن إذا كانت الكفاله وقعت مقارنة للعقد، فيحسن حينئذ كون الكفيل يقدر غريما، وأما لو كانت الكفاله بعد العقد فإنه لا يعتبر ها هنا ما يشتري به الكفيل من دراهم أو ذهب أكثر من رأس المال، لكون العقد عليها وقع قبل كفاله الكفيل.
وبعض الأشياخ يشير إلى أنه لا يجب بمقتضى القياس اعتبار هذا في حق الكفيل لأن الغريم هو قابض الدنانير فيتهم على أنه رد أكثر منها وجعل الزيادة عوضا لانتفاعه، والكفيل ها هنا لم يقبض ذهبا ولا انتفع بشيء يقدر إنما زاد منه على رأس المال عوض الانتفاع.
وهذا الذي قاله له وجه على مقتضى تعليل أهل المذهب في منع الغريم أن يقضي ها هنا عما عليه من ثياب ذهبا أكثر من رأس المال الذي أخذه.
هذا حكم شراء الوكيل ما يكفل به لنفسه. وأما لو اشتراه لغريمه فإنه لا
يلزم الغريم شراء الوكيل له بغير إذنه لكونه، عقد على جائز الأمر ما لم يوكله عليه. ولكن من عقد بيعا على جائز الأمر كان الخيار في إمضاء العقد أو رده للمعقود عليه، ما لم يمنع مانع من إمضاء العقد لفساد العقد فيبقى النظر ها هنا في صحة عقد الكفيل، على أن الخيار للغريم في إمضاء العقد أو رده. فاعلم أنه لا يخلو أن يكون صالح الكفيل عن الغريم بجنس آخر خلاف ما على الغريم، هذا الذي صالح به إنما وقع عن دين ليس بعين دنانير أو دراهم، أو وقع الصلح عن دنانير أو دراهم ثبتت في ذمة، فصالح الكفيل عنها بما يقضى فيها بالمثل أو بما يقضى فيه بالقيمة. فأما إذا وقع الصلح عن دين في ذمة الغريم ليس بعين، فإن كل ما صالح به الكفيل من الأجناس المخالفة لما على الغريم فيه اختلاف: هل يمكن الغريم من الرضا بما عقده الوكيل عليه لكون ما عقده عليه جائزا؟ أو لا يمكن من ذلك لكون ما عقده الكفيل وقع فاسدا؟ فمنع من هذا العقد في كتاب السلم من المدونة وأجازه في كتاب الحمالة. وسبب هذا الاختلاف أنك قد علمت أن الشرع ورد بمنع العقود الواقعة على غرر وخطر، وسامح فيما طريقه المعروف والرفق والإحسان ما لم يسامح به فيما طريقه المكايسة والمتاجرة، كمنعه بيع المجهول وما لا يحاط به، وإجازته ما أعراه من تمر نخلة وإن اشتراه بخرص، على ما يرد بيانه في كتاب العراياة وما ذاك إلا لكون شراء العرايا المقصود به الرفق والإحسان" فخالف ما قصد به من العقود المكايسة والمغابنة.