وأما اشتراط إقراره فإن الرواة اختلفوا فيه: فأثبته العسال، وأسقطه غيره من الرواة. وذكر بعد هذا في المدونة في هذا الباب فيمن له على رجل دراهم أخذ بها كفيلا، أنه يجوز للكفيل أن يشتريها لنفسه بقرض، ولم يشترط في هذه المسألة شرطا كما اشترطه، في المسألة الأولى التي ذكرناها.
وكما اختلفت الرواة في لفظ الإقرار في المسألة الأولى المذكورة اختلف اختيار المتأخرين فيما صنعه الرواة من إسقاط لهذه اللفظة أو إثبات، فكان أبو محمد اللؤلؤي وغيره يرى أنه لا حاجة إلى إثبات لفظة الإقرار لكون الكفيل ها هنا مطلوبا بهذا (أبدا لدين الذي يكون) (2) الكفيل: إن من تكفلت عنه ظالم في جحوده كاذب في إنكاره. وإذا كان هذا الدين لا يسقط ملك بائعه عنه على حال، لم يعتبر ها هنا إقرار من هو عليه، بخلاف ما لو اشتراه من ليس بكفيل به لأن جحود من هو عليه لا يوجب مطالبة على مشتريه، فيصير المبيع ها هنا لا يوثق بحصوله ولا بكونه ملكا للبائع، فلم يجز العقد إلا مع الإقرار بخلاف الكفيل: وهذا إذا وقعت الكفاله على وجه يوجب مطالبة الكفيل بالدين وإن جحده من هو عليه. وأما لو كانت كفالته به بعد معاقدة طالب الدين والمطلوب به والكفيل لا علم عنده يكون الطالب مستحقا للطلب، فإن الكفيل ها هنا كغيره يشترط في صحة شرائه الإقرار لأن من حقه مطالبة من له الدين الذي تكفل به بإثبات دينه على من زعم أنه يستحقه عليه.
وهذا الذي أشار إليه هؤلاء من الفرق طريق صحيح في التفرقة بين حصول الغرر في شراء من لم يتكفل بالدين وشراء من تكفل به لكن المسألة عندي على طريقة هؤلاء يلاحظ مسألة أخرى، قدمنا ذكرها في كتاب السلم الأول، وهي إذا عقد السلم بوكالة على أن الموكل إن جحد لزم الوكيل المطالبة بالسلم، وقد قدمنا هناك أن كون هذا المبيع مترددا بين ذمتين يقتضي فيه غررا فيمنعه سحنون، ويجيزه ابن القاسم؛ لأنه يرى هذا التردد بين الذمتين غررا، كما قدمنا بيان القول فيه. وكذلك ها هنا تعليل هؤلاء يقتضي كون بائع الدين باع ما لا يدري هل يستحقه ويقبضه من ذمة المديان أو من ذمة الكفيل فإن كان يقول: إني أستحقه في الذمتين جميعا لكن أحدهما ظالم، فإنه لا يقضى له على هذا (1) جحد بأن يسلم إليه ما ادعى به عليه.
وبعض من سلك هذه الطريقة يشير إلى أن الأصل ما ذكره في المدونة في المسألة الثانية إذا اشترى الكفيل ما تكفل به من دراهم بعرض لنفسه فإن ما اشترطه في المسألة الأولى من الإقرار يستغنى عنه. ومنهم من سلك خلاف هذه الطريقة، ورأى أن الكفيل يفتقر فيه إلى شرط كما يفتقر في ذلك إذا اشترى هذا الدين من لم يتكفل به، ويعتل بأنه لا يقصر الغرر على الجحود خاصة بل كل إمكان تحصل الثقة بحصول المبيع يوجب المنع إذا وقع التحرير بين الحصول والانتفاء على وجه واحد. وها هنا يمكن أن يكون الغريم الذي عليه السلم يدعي القضاء ويقيم عليه بينة، فيسقط الطلب بالدين عنه وعن الكفيل، وينصرف الح الذي اليمين فلا يبدل الكفيل من الثمن وهو يقدر أن المشتري لا يحصل له ما يبدله وهو يعلم أن المشتري حاصل له واختلاف الثمن ها هنا يتضمن غررا في العقد فوجب المنع إذا لم يقع إقرار. وهؤلاء يشيرون إلى أن الأصل ثبوت الإقرار وإنما حذف الثانية اختصارا واكتفاءا بما تقدم. ومنهم من يريد إبقاء كل مسألة من هاتين على ما هما عليه ويرى أن المسألة الأولى الدين المشترى فيها
عروض، والعروض قد يتنازع فيها في صفتها ويكثر الخصام فيها، فلهذا اشترط الإقرار فيها. والمسألة الثانية إنما لم يشترط الإقرار فيها لكون المتكفل به دراهم، والدراهم لا يتنازع في صفتها فيعدل عن الغرر.
وهذه الطريقة ليست سديدة ولا واضحة، وقد تحصر العروض حصرا لا يقع فيها تنازع ولا خصام، وتشهد البينة بذلك، فلا يكون بينها وبين الدراهم فرق، وإنما للنظر مج الذي اعتبار الغريم القضاء فيبطل الدين المبيع إذا حكم بصحة القضاء ويصير كتجويز الجحود، أو لا يعتبر هذا لكون دعوى القضاء في دعوى (1) النادر، وما يندر لا يوجب في العقد غررا ..