ولو لم يطعن المشتري بعيب ولكن البائع سأله في الإقالة فلم يجبه إليها المشتري إلا أن يزيده دنانير أو دراهم، فإن ذلك يجوز على ما تقدم بيانه وتأصيله في مسألة حمار ربيعة. وإنما جاز ها هنا زيادة البائع ذهبا أو دراهم إذا كان ذلك عن استقالة. ومنع إذا كان ليمنع من رد بعيب طعن فيه المشتري، لأجل أن الثمن، إذا لم يكن بالمبيع عيب، ثابت مستقر في الذمة. فيحصل من
هذا أن البائع كمستأنف شراء عبد بدراهم له مؤجلة وزاد مع ذلك دراهم أو ذهبا. وهذا لا مانع منه يمنع. وأما في الرد بالعيب فيقدر أن الذي في الذمة لما لم يتفقا على استقراره، صارت هذه المصالحة كابتداء بيع. وإنما استقر في الذمة بهذه المبايعة الثانية، وهي بيع عبد وذهب بدراهم مؤجلة، وذلك ممنوع.
هذا إذا كانت الزيادة من البائع أو المبتاع نقدا والأجل لم يحل.
وأما إن كان الأجل قد يحل (1)، فذكر في المدونة أنه يجوز أن يزيد المشتري عرضا أو دنانير أو دراهم حتى يمكنه البائع من الرد بالعيب.
وهذا الجواب الذي وقع في المساواة بين الدنانير والدراهم يقتضي ظاهره استواء حكمهما، وهما لا يستويان على أصل ابن القاسم؛ لأنه إذا رد العبد ومعه دراهم، فكأن البائع اشتراه منه ببعض الدراهم المؤجلة التي أضافها قضاء لما فيه، وذلك غير ممنوع. فأما إذا زاد دنانير، فإنه يتصور في ذلك اجتماع بيع وصرف، لكون العبد دفع عن بعض الدراهم المؤجلة، والدنانير التي أضيفت إليه دفعت عن الدراهم التي حل أجلها. وهذا بيع وصرف. إلا أن يكون ذلك يسيرا مما يجوز أن يجتمع مع البيع. ولما كان مذهب ابن القاسم المنع من البيع والصرف دعا ذلك الشيخ أبا محمد بن أبي زيد إلى أن أصلح هذا الإطلاق في اختصار المدونة، فقال: لا بأس أن يزيده عرضا أو عينا من جنس الثمن الذي عليه. فغير نقل ما في الكتاب لما اقتضاه عنده أصل ابن القاسم. على أنه لو أبقي على ظاهره، لكان ذلك جاريا على مذهب من أجاز البيع والصرف. وهذا واضح في الزيادة إذا وقعت على النقد من جانب البائع أو جانب المشتري.
وأما إذا وقعت مؤجلة، مثل أن يزيد المشتري للبائع عرضا مؤجلا، والأجل لم يحل، فإن ذلك ممنوع، لكونه بيع دين وهو بعض الثمن المؤجل بعرض مؤجل. وكذلك لو حل الأجل، لمنع من زيادة عرض مؤجل، لكون العرض المؤجل دفع عن بعض الثمن الذي حل، فيتصور فيه فسخ الذين في
الدين، وذلك ممنوع. وهذا كله يعلم حكمه مما قدمناه في الفصل المذكور في أول الكتاب. وكذلك يعلم أيضا حكم الصلح على هذا العيب بعد ذوات العبد مما قدمناه.
وذكر غير ابن القاسم في المدونة في هذا الكتاب أن العبد إذا فات بعتق أو تدبير أو موت فدفع البائع للمبتاع دراهم، أن ذلك لا يجوز، لكونه سلفا من البائع للمبتاع. وأنكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد هذا الإطلاق، وأشار إلى أن الحكم أن يحط إلا من الثمن المؤجل مقدار ما يقابل العيب من الثمن، ويبقى ما سوى ذلك في ذمة المشتري إلى أجله، فإذا كان هذا العبد بيع بألف درهم مثلا، مؤجلة. وكان ما ينوب العيب عشر الثمن.، فإن مائة درهم تسقط عن المشتري ويبقى عليه تسع مائة. فإذا كان البائع قد عجل للمشتري هذه المائة، التي الحكم إسقاطها عنه، فإذا حل الأجل، دفع التسع مائة وأخذ المائة الباقية عوضا عن المائة التي أسلفها فإن هذا لا مانع يمنع منه. وكذلك لو كان يأخذ أقل مما أسلف. لأن السلف بخسارة لا يمنع. وإنما يمنع السلف بزيادة. فإذا تصور ها هنا أن يكون عجل للبائع هذه الدراهم لترجع إليه من مقدار العيب من الثمن أكثر مما أسلف وعجل. مثل أن يكون الواجب أن يسقط عن العيب مائة درهم من الألف، فعجل البائع خمسين درهما ليأخذ الألف كلها، فإن هذا الوجه ممنوع.
وأشار الشيخ أبو الحسن بن القابسي إلى أن المنفعة ليست من الزيادة في السلف أو النقص منه، فليعتبر ذلك. ولكن من ناحية أن البائع بادر بذلك وقبله منه المشتري حتى لا يكشفا عن هذا العيب، ويتخاصما فيه. فربما كان الخصام فيه يكشف أن الأمر بخلاف ما تراضيا عليه. فصارت هذه منفعة حاصلة وهي رفع الخصام بينهما , ولأجلها وقع السلف. والسلف إذا جر نفعا منع، كان النفع مالا أو غير مال.