تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الارتهان إن كان بعد العقد، فلا وجه لمنعه، وإن قارن عقد بيع، فيختلف فيه، على ما سيرد بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.

وذكر القولين في ارتهان الغرر إذا قارن عقود البياعات، هل يفسدهما أو لا بناء على اعتباركونه له حصة من الثمن أم لا؟

وقد أشار بعض الأشياخ إلى أن القياس جواز شراء الورثة للجنين الموهوب، لكونهم ممنوعين من التصرف. في أمه حتى تضع، كما منعوا من التصرف في رقاب النخل أو الديار الموهوب منافعها وغلاتها. لكنه التفت إلى العذر عن التفرقة بغير ما فرق به في المدونة، فقال: لعل أمد الوضع قريب، وانتظاره لا يلحق الورثة فيه ضرر كبير، بخلاف من أعمر داره أو بستانه.

لكن قد يقدح في هذا الاعتذار عنده إجازة شراء الورثة لثمر لم يؤبر لما كانوا ممنوعين من التصرف في رقاب النخل، لكون الثمرة التي لم تؤبر لا يجوز استثناؤها مع كون انتظار جواز البيع قد لا. يطول أيضا. وهذا يبسط فيما بعد إن شاء الله تعالى.

فإذا نجز القول في هذا، فقد ذكر في المدونة بعده فصلا مقتضى الترتيب أن نورده في صدر هذا الكتاب لما تكلمنا على الصلح إذا وقع عن عيوب لم تثبت. واتذي أوردناه هناك يعاد ها هنا معناه. وتعرض ما ذكره ها هنا على الأصل الذي قدمناه من ذكر خلاف أو وفاق. ولا فرق بين الفصل الأول وبين هذا سوى أنه مثل في الفصل الأول بعبد بيع فطعن المشتري فيه بعيب، لم يقر به البائع، فوقع الصلح بينهما على شيء دفعه البائع، حتى لا يخاصم في العيب ويرد عليه به. أو دفعه المشتري حتى لا يمنع من الرد ولا يخاصم فيه. ومثل في هذا الفصل الآخر يكون الثمن مؤجلا، فذكر فيمن باع سلعة بألف درهم مؤجلة فطعن بعيب، ثم أراد أن يمكن من الرد به، على أن يدفع شيئا يضيفه إلى المبيع إذا رده بالعيب. فأجاز أن يدفع عرضا مع هذا المبيع المردود إذا كان يدفع ذلك نقدا. لأنا قد بينا أن ابن القاسم يقدر ها هنا أن ما وقع الصلح به كاستئناف مبايعة ثانية. فيعتبر في ذلك ما يجوز في المبايعات وما لا يجوز. فتصور ها هنا على مقتضى هذا الأصل أن المشتري باع العبد الذي رد بالعيب وعرضا أخر معه بالثمن المؤجل عليه، وذلك غير ممنوع. ولو رد العبد ومعه دراهم أو رده ومعه دنانير، لمنع من ذلك لما يتصور فيه على هذا الأصل من التحريم. لأنه إذا رد معه دراهم، صار قد باع العبد ببعض الدراهم المؤجلة عليه، وما أضاف إليه من الدراهم، فهي سلف منه للبائع عجلها له قبل أجلها، وهو لا يستحق ذلك عليه، فلما كان لا يستحق ذلك عليه، صارت الدراهم المعجلة كسلف منه للبائع يقبضها من نفسه من الثمن الذي عليه للبائع إذا حل الأجل. فالعبد إنما بيع بشرط هذا الشرط، وذلك يفسد البيع. وهذا تصوير صحيح على أصل ابن القاسم. لكن إذا قلنا بأحد القولين: إن ما في الذمم من الديون المؤجلة، تقدر

كالحال، ولا يقدر تعجيله قبل أجله سلفا من معجله للبائع، على حسب ما حكيناه في كتاب بيوع الآجال في مسألة الفرس. فإن هذا الذي صورناه من التحريم لا يصح.

وكذلك إن رد العبد ومعه دنانير، فإن ذلك لا يجوز أيضا بناء على هذه الطريقة، لكون العبد كالمبيع ببعض الثمن المؤجل، ورده مشتريه إلى بائعه ببعض ما عليه من الثمن المؤجل، ودفع إليه عما فضل عن ذلك من الثمن المؤجل دنانير. وتعجيل ذهب عن دراهم مؤجلة لا يجوز، لأنه صرف مستأخر.

مع كون هذا يتصور فيه أيضا البيع والصرف، وهو ممنوع عند ابن القاسم.

وهذا أيضا يقع فيه الخلاف مما قدمناه في كتاب الصرف من أنه قد وقعت رواية شاذة بجواز أخذ دنانير عن دراهم مؤجلة بناء أيضا على أن ما في الذمة كالحال. وأما تصوير الخلاف فيه من ناحية اجتماع البيع والصرف، فذلك مما قد تكرر مرارا ذكره.

ولو كانت هذه الزيادة من البائع أيضا، لجرت هذا المجرى. فيجوز أن يدفع البائع للمشتري عرضا نقدا حتى لا يرد عليه بالعيب. ويقدر أن البائع كمبتدي بيع هذا العبد وعوض آخر معه يدفعه نقدا بالثمن المؤجل، لكون ابن القاسم يقدر هذا الصلح كاستئناف بيعة ثانية. وأما إن دفع البائع دنانير أو دراهم حتى لا يرد عليه المشتري بالعيب، فإن ذلك ممنوع أيضا لهذا التصوير الذي صورناه. لأنه يقدر أنه باع عبدا ودراهم، أو عبدا وذهبا بدراهم إلى أجل، وهذا يدخله الربا والصرف المستأخر على حسب ما قدمناه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٨٧