أما استثناء بعض المنافع، فإن كان لكون ما استثني قد خرج عن ملك بائع الرقبة، كمن أكرى داره أو عبده مدة معلومة، ثم باع الرقبة، فإن هذا الاستثناء لهذه المنافع المبيعة إنما يجوز، عند مالك، إذا كان أمد انقضاء أمد الإجارة يقرب، على حسب ما تقدم بيانه فيما سلف من كتابنا هذا في بيع الغائب وغيره. وذلك أن تكون الإجارة في العبد تنقضي بعد اليومن والثلاثة، لأجل ما قدمناه من أنه لا يجوز بيع معين يقبض إلى أجل بعيد، وإنما يجوز إذا شرط قبضه بعد اليومين والثلاثة أو بعد سنة أو أكثر منها، على حسب ما تقدم بياننا لما ذكر العلماء في تقدير ما يجوز استثناؤه من منافع الديار إذا بيعت، وغيرها. ومنع أبو حنيفة بيع ما تقدمت فيه إجارة على الإطلاق. وللشافعي فيه قولان. فمن منعه رأى أن المبيع غير مقدور على تسلميه لمشتريه لتعلق حق من استأجره بعينه ليستوفي منها المنافع التي أكراها، فأشبه بيع ما في يد الغاصب الذي لا يقدر على تسليم ما في يده لمشتريه، ومقتضى البيع في الشرع التسليم. وإذا شرط ألا تسليم للمبيع فسد البيع.
وانفصل أصحابنا عن هذا بأن المبيع في الإجارة المنافع، وقد كان لمالك الرقبة أن يبيعها ويبقي الرقبة لنفسه. وكذلك له أن يبيع الرقبة ويبقي المنفعة لنفسه، أو لمن كان أكراها منه. والمشتري إنما اشترى من المستأجر رقبته، ورقبته على ملك البائع لا يمنع من التصرف فيها بحسب ما يسوغه الشرع له.
ولا يقاس هذا على ما في يد الغاصب لأجل أن الغاصب يمنع من الرقبة والمنفعة جميعا، والمكتري للعبد أو الدار لا يمنع من الرقبة وتصرف المالك فيها بحسب ما أذن له الشرع فيه.
وأما إن كانت المنافع التي استثنى البائع لم يتقدم فيها عقد إجارة، ولكنه باع دابة واستثنى ركوبها، فإن ذلك يجوز عندنا إذا استثنى أمدا قريبا، ويمنع إذا استثنى أمدا بعيدا. ومن الناس من ذهب إلى جواز هذا الاستثناء على الإطلاق.
ومنعه أبو حنيفة والشافعي على الإطلاق ..
وسبب هذا الاختلاف تعارض ظواهر الأخبار فقد خرج في الصحيح أنه عليه السلام نهى عن المخابرة والثنيا (1) وغير ذلك مما ذكر في هذا الحديث.
ونهى أيضا عن بيع وشرط (2). وروي في الصحيح: أنه - صلى الله عليه وسلم - اشترى من جابر بن عبد الله جمله، واشترط جابر ظهر الجمل إلى المدينة. فلما وصل أعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - الثمن والجمل (3). فمن يجيز الاستثناء لبعض المنافع يتعلق بظاهر حديث جابر. ومن يمنع من ذلك يتعلق بنهيه عن الثنيا وعن بيع وشرط.
وأما مالك فإنه يجيز اشتراط ركوب الدابة إلى أمد قريب، ويمنع ذلك إلى الأمد البعيد، لكون الدابة والعبد يتغيران فيه، فيصير المشتري اشترى ما لم يعلم حقيقته حين يقبضه ويصير إليه، فيكون العقد وقع على غرر فيمنع. وإذا كان الأمر قريبا فلا غرر فيه، فيجوز حمل حديث النهي عن بيع الثنيا على ثنيا لا تجوز لكونها تتضمن الجهالة بالمبيع. ويحمل حديث جابر على ما لا يتضمن غررا من الثنيا، فيبنى أحد الحديثين على الآخر، ولا يترك أحدهما للآخر. وقد أشار الطحاوي إلى نصرة من ذهب إلى المنع، بأن المنافع المستثناة لا تخلو من أن يقال: إنها صارت إلى البائع من قبل المشتري، وكأن البائع باعها مع الرقبة، ثم اشتراها من مشتري الرقبة. أو يقال: إنها باقية على حكم البائع. قال: ولا يصح أن يقال: إنها صارت إلى البائع من جهة المشتري، لأن المشتري لم يملكها قبل العقد، فيكون اشترى الرقبة بها وبما بذل من الثمن. فإذا لم يقدر أنه
ملكها قبل العقد لم يصح بيعه لها. فمتى قدر أنه باعها صار كمشتري الرقبة بدنانير وسلعة أخرى لا يملكها، وهذا العقد لا يجوز. قال: ولا يقدر أيضا أنها باقية على ملك البائع لأن البائع لا يملك ما حدث في المبيع بعد العقد من منافع وهي وقت عقد البيع لم تخلق فيقدر أن البائع ملكها وأبقاها على ملكه، وإنما هي حين العقد غير مملوكة للبائع لكونها حدثت في ملك المشتري ولا هي مملوكة للمشتري حين العقد لكونه لم يملك الرقبة التي حدثت فيها هذه المنافع. فإذا استحال تصور العقد عليها على الطريقتين جميعا: أنها مبقاة على ملك البائع أو على أن المشتري اشتراها ثم باعها من البائع، لم يصح العقد، وإنما يصح الاستثناء فيما لولاه لدخل في البيع وهذه المنافع لا يصح أن تدخل في البيع لكون البائع لم يملكها قبل أن تخلق. فلما استحال حقيقة الاستثناء استحال حقيقة هذا العقد (1). فإذا تقرر حكم استثناء بعض المنافع، وهي أحد أقسام ما يستثنى فنتكلم على استثناء بعض أجزاء ذات المبيع.