تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومبنى هذه الأصول، التي قدمناها، على المصلحة ونفي الضرر. وقد كنا أشرنا إلى أن التلقي للركبان، وإن كان التلقي إنما يحصل بين رجلين الجالب ومن يلقاه ليشتري منه، فإنه ينضاف إلى هذا الإضرار بأهل السوق، فتأكد المنع. وها هنا يقع الإضرار بالسائم أولا خاصة. والإضرار يمنع منه، وينهى رجل أن يضر رجلا وقد تعلق للسائم أولا حق بهذا المبيع حتى لم يبق بينه وبين صحة ملكه إلا العقد، فينبغي أن يمنع السائم الثاني من إبطال ما صار لهذا من حق، لكونه الغالب في حاله حصول الملك له، كما منع المريض من هبة سائر ماله لما تعلق للوارث به من حق، لكون الغالب أنه يصير إليه عن قرب إذا وقع الموت من المرض الذي وقعت الوصية فيه.

وخص مالك هذا النهي بحصول التراكن، وإن كان الحديث عاما لم

يشترط فيه التراكن لأجل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يخطب أحد علي خطبة أخيه.

فورد أيضا هذا الحديث عاما، ولكنه خص بالحديث الآخر، لما أخبر - صلى الله عليه وسلم - بخطبة أبي جهم ومعاوية. فقال: أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو يهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، أنكحي أسامة. فلم يذكر نكيرا على الثاني من الخاطبين المذكورين، فأشار بثالث، مع إعلامه بأنه قد تقدم قبله خاطبان. فاقتضى هذا بناء الحديثين أحدهما على الآخر، فيحمل حديث هذين الخاطبين على أنها لم تركن إلى واحد منهما، ويخص به عموم قوله: لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه. الحديث ... فكذلك (1) في سوم الإنسان على سوم تقدمه، يحمل النهي على حصول التراكن. وأيضا فإن مالكا استدل في الموطأ على هذا التخصيص بأن ذكر أنه لو منع مجرد السوم من غير تراكن من سوم رجل آخر، لأخذت أموال الناس بشبه الباطل من الثمن، ولم يشأ أحد أن يمنع آخر من بيع سلعته إلا ساومه فيها. وهذا عكس ما ورد به الشرع من النظر في مصلحة الناس وصيانة أموالهم عليهم. وقد حمل مالك وغيره من العلماء الحديث أيضا على أن المراد به أن لا يسوم أحد على سوم مشتر، مع كون الحديث ورد بلفظ البيع. لكنهم ذهبوا إلى أن البيع في اللغة يطلق على الشراء وقد قال تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾ (2) وقال عز وجل: ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم﴾ (3) والمراد من هاتين الآيتين ما باعوا به. فأشعر هذا يكون اللفظتين تنوب إحداهما عن الأخرى. لكن حمل بعت على اشتريت ذكر عن أهل اللغة. وأنشدوا في هذا:

ويأتيك بالأنباء من لم تبع له ... بتاتا ولم تضرب له وقت موعد (4)

وأنشدوا أيضا:

وبعت لذبيان العلاء بمالكا (1)

والمراد في هذين البيتين اشتريت. ولو سلمنا أن اللغة وردت بأن بعت يطلق على اشتريت فإن هذا لا يقتضي حمل قوله: لا يبع بعضكم على بيع بعض.

على ألا يشتري بعضكم على شراء بعض، لأنه قصر على أحد المحتملين بغير دليل. ولهذا أشار أبو عبيد لما حكى عن أبي (2) عبيدة وأبي زيد أنهما ذكرا: أن بعت يكون بمعنى اشتريت، أن الجواب عنه يكون بتخصيصه بالعادة، لأن المعروف أنه لا يقع سوم بائع على سوم بائغ آخر (3) ..

وقد أشار ابن حبيب إلى أن الحديث إنما الخطاب فيه للمشتري لا للبائع.

وأشار بعض المتأخرين إلى أنه إنما أراد ما أراده أبو عبيد من حمل الحديث على السوم في الشراء لا على سوم بائع على بائع لكون الاسترخاص مستحبا في الشرع. وقد ذكر ابن حبيب أنه وردت به آثار ورغايب.

وإذا سام بائع سلعة وأتى بائع آخر فعرض مثلها على المشتري بأرخص منها صار هذا كالمستحب لاستحباب الرخص، وهو متأول هذا على أن الحديث يحمل على ظاهره من كونه نهيا أن يسوم بائع على بائع، إذا لم يرد السائم الثاني الاسترخاص. فكأن أبا عبيدة حمله على أحد محمليه بمقتضى العوائد، وحمله ابن حبيب على أحد محمليه أيضا لكون الشرع استحب الاسترخاص. وهذا إنما يتصور في حق بائع على بائع لا في حق مشتر على مشتر. والغالب في سوم بائع على بائع كون الثاني يعرض سلعته بأرخص مما عرضها به الأول. وأبقاه بعض المتأخرين على أظهر محمليه: وهو أن لا يسوم بائع على سوم بائع، ولكنه

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٤٧