تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فنحو هذا عندي يرد على الأبهري في مسألة أخرى. وذلك أن المعروف من مذهب مالك وأصحابه أن الحضري يمنع أن يبيع للبدوي ما أتاه به بنفسه،

أو ما أرسله إليه مع رسوله. وحكى القزويني عن الأبهري أنه يقصر النهى على ما أتى به البدوي بنفسه. وأما ما بعثه مع رسوله فإنه يجوز للحضري أن يبيعه.

وهذا لا وجه له لكون الحديث وتعليله يقتضي المساواة بين ما أتى به البدوي بنفسه، وما أرسله إلى الحضري. مع كون هذا إذا اشتهر عاد أهل البدو يرسلون ما يبيعونه، حذرا من أن يغبنوا، فتفسد المصلحة. وهذا كما قيل في الانتصار عندنا لأحد (1) الصناع: إنهم إذا اشترطوا ألا ضمان عليهم في ما يصنعونه، فإن الشرط لا ينفعهم، لأنهم لو نفعهم لاشترطه كل صانع فتفسد المصلحة التي لأجلها ضمن الصانع.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

إذا تقرر هذا، ووقع البيع، فهل يفسخ أم لا؟ الظاهر من المذهب عن مالك وغيره من أصحابه أنه يفسخ. لأنه عندهم بيع محرم. والنهي عن الشيء على جهة التحريم له يقتضي فساده. وقال ابن عبد الحكم: إنه لا يفسخ، وقد تقدم، في ما سلف لنا مرارا، التنبيه على هذا الأصل. وذكرنا خلاف أهل الأصول فيه، والتفات بعضهم إلى كون النهي يرجع إلى حق الخالق، فيدل على فساد المنهي عنه، أو يرجع إلى حق المخلوق، فلا يدل على فساد العقد،

كما اقتضاه النهي الوارد عن التصرية، فإنه، مع نهيه عنها، أشار إلى منع فساد العقد وفسخه. ووقفت، لابن الجهم في شرخه مختصر ابن عبد الحكم، على كون هذا البيع مكروها. والإشارة إلى منع كونه محرما ما يذكر فيه وفي التلقي أن هذا إنما كان في أول الإسلام، وأما الآن فلا يرد جالب إلا على بصيرة من الأسعار، فينبغي أن يكره التلقي وبيع حاضر لباد. وأما التحريم فلا يجوز، ولو وقع البيع فيهما لمضى (1). وهذا على أصله في كون هذين مكروهين يتضح فيه معنى الفسخ.

وقد أشار الشيخ أبو محمد بن أبي زيد إلى اختيار أحد القولين في التلقي، وهو الفسخ لكونه إذا فسخ حصل لأهل السوق المنفعة بما فسخنا التلقي فيه.

وأما بيع حاضر لباد فلا يفيدهم الفسخ لأن البدوي لما باع له السمسار عرف السعر فهو لا يمكن غبنه. وإذا كانت العلة في الحديث طلب الاسترخاص منه، وهو ها هنا يتعذر لعلمه بالسعر الذي باع له به الحضري، لم تكن فائدة في الفسخ.

وإذا قلنا بمنع الفسخ فإنه لا بد من زجر الحاضر الذي باع للبادي. فأما ابن وهب فإنه اقتصر على زجره. وأما ابن القاسم فإنه قال: يؤدب.

وهذا اختلاف منهما في مقدار الاجتهاد في إنكار هذا الفعل، وإن قلنا بالكراهة، كما قال ابن الجهم، حسن ما قال ابن وهب من الاقتصار على الزجر دون إيقاع الأدب.

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وأما ما يرجع إلى الحال، كبيع الإنسان على بيع أخيه الذي ركن إليه وقرب اتفاقهما، فإن العقد يفسخ، على نحو ما ذكرنا في النكاح.

قال الشيخ رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة.

1 - أحدها أن يقال: ما الدليل على المنع من دخول سوم على سوم؟.

2 - وهل النهي عام للمسلم والذمي أم لا؟

3 - وهل يفسخ هذا البيع إن وقع؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:

ذكر مالك في الموطأ وغيره من أصحاب الصحاح أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يبع بعضكم على بيع بعض (1). وروي ذلك عن ابن عمر وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، على حسب ما تقدم إيراده في الحديث عن أبي هريرة مذكور هذا النهي مع النهي عن أنواع غيره. وعن ابن عمر مذكور النهي عن هذا خاصة.

وهذا راجع إلى ما تقدم من النظر في مصلحة الخلق ونفي الضرر عنهم. وفسره مالك بأن المراد به النهي عن أن يسوم أحد على سوم أحد تقدمه إذا كان البائع ركن إلى السائم الأول ومال إلى البيع منه. وأشار إلى الاستدلال على هذا الركون والميل بأن يأخذوا في ذكر وزن الذهب، وتبري البائع من العيوب، إلى غير ذلك مما في معناه من الدلالة على الركون من البائع إلى المشتري. فإذا حصل التراكن صار السائم آخرا مفسدا على الأول، ومضرا به.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٤٦