وأما المملوكات فإنها تكون أقواتا كالحبوب والقطاني وما في معنى ذلك، وتكون غير أقوات كالعروض وما في معناها.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
أما حالة الادخار، فإن الادخار لغير الجالب والزارع، إذا أضر بأهل البلد شراء أحدهم لطعام يختزنه ويدخره رجاء غلائه، فإنه يمنع من ذلك. وهذا لا يختلف فيه.
وكذلك غير الطعام من سائر المتملكات التي تكون المسامحة بشرائها والتجر بها سببا لإضرار الناس بغلاء أسعارهم ولحوق الضرر بهم، فإنه ممنوع من ادخارها وشرائها للربح. لأن التمكين من هذا لرجاء المنفعة لا يقايل ما
يتضمنه من لحوق الضرر العام للجمهور.
ومن الأمثال المستعملة: صيانة رأس المال أولى من طلب الربح. لأن رأس المال إذا عدم عدم الربح. وكذلك. إذا كان طلب هذه المنفعة من الربح الذي يرجوه، يقابله ضرر الجماهير، فإن إزاحة الضرر عنهم مقدم على طلب هذا فائدة منهم.
ومقتضى هذا التعليل ألا يمنع من ادخاره للقوت، لما في ذلك من حفظه حياته وحياة عياله، والتحزز من لحوق الضرر به بفقد القوت.
وقد وردت الآثار بادخار الأقوات. وقد قيل لبعض المتصوفة: إن من حقيقة التوكل على الله، ألا يدخر الإنسان شيئا يعول عياله، بل إنما يجرد عزمه بالتعويل على الله. والشعبي عليه السلام رأس المتوكلين، فما باله ادخر القوت لأهله؟ فقال: باطنه - صلى الله عليه وسلم - التوكل، وظاهره الاذخار ليسن لأمته جواز الادخار للأقوات. وأما الادخار طلبا للربح، ولكنه قد يتضمن مرفقا للناس من جهة، وضررا من جهة أخرى، مثل من يشتري الطعام من السوق الأعظم حيث يجتمع فيه طعام الجلابين، ثم يبيعه على يديه في أطراف المدينة؛ فإن ظاهر المذهب في هذا الجواز، وهو المنصوص في هذا. ولكن سئل مالك عن من يشتري الطعام للطحن؟ فقال: أرى أن يمنعوا من ذلك. وهذا كأنه يشير إلى خلاف ما نص عليه؛ لأن مزاحمة من يبيعه على يديه بأطراف المدينة فيه مرتفق لمن لا يقدر على الشراء من السوق الأعظم لعجزه عن ذلك، أو لكونه يعرض عن البيع منه إذا طلب القليل، فكان من المصلحة إباحة هذا لتضمنه مصلحة ورفقا بأهل الحاجة، وإن تضمن غلاء في الأسعار.
وكذلك من يشتريه ليطحنه ويبيعه دقيقا، فيه أيضا مرتفق بمن لا يتمكن له الطحن لعجزه عنه، أو لكونه إن اشتغل به فاته التغذي بالطعام وقت الحاجة إليه. وكذلك أيضا من يشتريه ليبيعه خبزا. هذا كله مسلكه واحد، وهو
الالتفات إلى الموازنة ما بين منفعة ومضرة، أيهما أولى بأن يقدم على صاحبه.
فصار شراؤه للاحتكار على وجه يضر بالناس ولا يتضمن منفعة لهم ممنوعا، بلا خلاف. وعلى وجه تتقابل فيه منفعة من جهة ومضرة من أخرى، فيه من الاختلاف ما ذكرناه وأسندنا الخلاف فيه إلى الموازنة ما بين الضرر والمنفعة.
وأما إذا كان شراء ما يدخر لا يضر. بأحد من الناس، فإنه إذا كان مما لا تعم البلوى بالحاجة إليه، كالبز والعطر، فإنه يجوز شراؤه وادخاره بلا خلاف.
وإن كان مما تمس الحاجة إليه، كالأقوات وما في معناها، ففيه قولان، المشهور من المذهب في المدونة وغيرها، جواز شرائه للادخار، واعتبار لحوق الضرر وفي الاحتكار عموما في كل المتملكات يمنع شراءها للادخار.
وارتفاع الضرر عن الناس إذا اشتريت، لكونها لا يغلو سعرها بشرائها، ولا يلحقهم ضرر من ذلك، إنه يجوز أيضا في سائر المتملكات.
وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون، أنهما يمنعان من احتكار الأقوات والعلوفات، كالحبوب والقطاني، وما يلحق بذلك كاللحم والسمن والزبيب (1) والعسل وشبه ذلك. ويذكر أن مالكا كرهه.
وهذا ليس باختلاف في فقه، وإنما هو اختلاف في شهادة بعادة. لأن ابن حبيب أشار في كتابه بهذا المذهب إلى أن إحتكار الأقوات لا يكون أبدا إلا مضرا بالناس، ونحن قد حكينا أن الضرر. إذا لحق ارتفع الخلاف في المنع من إلادخار. وقد وردت آثار يقتضي عمومها ما قال مطرف وابن الماجشون. فروي أنه عليه السلام: (نهى عن احتكار الطعام). وروي عنه أنه قال: (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون) (2). وإنه أيضا قال: (من احتكر طعاما أربعين يوما بريء من الله، والله بريء منه) (3). وروي عنه أنه قال: (لا يحتكر إلا خاطئ) (4).