وقد أشار بعض المتأخرين إلى أن هذا يقدر بإسلامه كمن استهلك خمرا في يد نصراني، فإنه يغرم قيمتها على إحدى الطريقتين عندنا.
وهذا البناء على هذا الأصل يعترض بأن الذي لا يجوز للمسلم أن يقبضه
ما في يديه من خمر، لأنه عهد (1) على إقرارها في يديه. فإذا تعدى المسلم عليه طولب بالتعدي، وهذا غير متعد بإسلامه بل هو مأمور به، فلا يقدر إسلامه ورجوعه إلى الدين الحق تعديا على النصراني حتى يطالبه النصراني بما أتلف، ولا يتهم أحد في أن يسلم ويدين بدين الحق ليبطل خمرا وجب عليه في حال كفره.
هذا حكم تعاملهما على جهة المعاوضة في الخمر والربا.
وأما لو أسلف خمرا أو خنزيرا ثم أسلما جميعا، فإن الخمر يسقط الطلب بها، لكونها حرمت على الطالب والمطلوب، ها هنا، لما أسلما.
وإن أسلم الذي دفعها وأسلفها فإنه ذكر في الموازية أن المطالبة ساقطة أيضا بينهما، أسلم الطالب أو المطلوب .. وذكر ابن القاسم أن الطالب إذا أسلم قضي على المطلوب بأن يدفع إليه الخمر فتراق، أو الخنزير فيقتل. وإن أسلم المطلوب غرم قيمتها لتعلق حق النصراني بأن يرد إليه ما دفع. والذي عليه الخمر والخنزير لا يصح منه شراء ذلك ولا ملكه، فكلف أن يدفع عنه عوضا يجوز في دين المسلمين أن يتملكه ويشتريه ويقضيه في دين عليه.
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال:
الرباع الذي (2) في بلد الكفار على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون المسلمون صالحوهم على ألا يقاتلوهم ولا يبيحون من أموالهم بعوض يأخذونه منهم.
والثاني: أن يكون المسلمون استولوا عليهم الأرض وفتحوها عنوه وأقروا سكانها فيها الذين كانوا أهل حرب.
والثالث: أن تكون أرضا أجلي عنها أهلها، وتركوها خالية، فوارا من أن يغزوهم المسلمون.
فأما الأرض التي صالحوا عليها بعوض يؤخذ منهم، فإنهم ييقون فيها
على ما كانوا عليه قبل الصلح لا تنزع من أيديهم ولا تباع عليهم، ما داموا يؤدون ما صالحوا عليه، لأن نزعها من أيديهم وبيعها عليهم نقض لما عاهدناهم عليه. وإذا مات منهم أحد ورثه ورثته يرثون أرضه وماله. وإن لم يكن له ورثة في ماله قولان: قال ابن القاسم يكون للمسلمين، وروي عنه أنه قال: يكون ملكا لأهل بلده يستعينون به فيما عليهم من الأداء الذي صولحوا عليه.
فكأنه أجراه في القول الأول مجرى مسلم مات ولا وارث له، فإن ماله يكون للمسلمين فلا يكون من لا وارث له من الكفار أعظم منه رتبة في منع المسلمين من ماله.
وكأنه قدر في القول الآخر أن الصلح عقد على أن من مات منهم يستعينون بماله إذا لم يكن له وارث منهم بالقرابة.
وهذا يقتضي النظر فيه اعتبار كيفية الصلح. فإن كانت المعاقدة على أن من مات ولا قريب له منهم يرثه، فإن ماله لهم بأنه لا ينبغي أن يختلف في أن ماله يبقى لهم لكون الشرع منعنا من نقض العهد الذي عاهدناهم عليه. وإن عاهدناهم على أن من مات ولا وارث له فلا حق لهم في ماله، فلا ينبغي أيضا أن يختلف في أنه لا يجب تمكينهم منه، لأنهم أهل حرب بقي الحكم فيها على الأصل الذي كان عليه من استباحة أموال أهل الحرب.
ولكن إذا أطلق الأمر في المعاهدة وجب النظر في المفهوم منها، وعلى ماذا يحمل إطلاقها من القسمين، فيجوز الحكم فيه. والأظهر مع الإشكال والاحتمال أن يبقى المال على استباحة المسلمين له.
هذا حكم موته.
وأما حكم إسلامه، فإن المشهور أنه إذا أسلم بقيت له أرضه وماله، وسقطت عنه الجزية، وعن أرضه الخراج. وذكر ابن حبيب أن هذا إنما يقضى به إذا كان وقع الصلح على جزية فرضت على كل واحد منهم، وخراج ضرب على كل واحد منهم. وأما إذا صولحوا صلحا مجملا على مال يؤدونه فإن الأرض لا
تكون لمن أسلم ولا تورث عنه. وهي كالوقف وكالمرتهنة بأيدي المسلمين، ولا يمكن من صالح عليها من أهل الحرب من بيعها، ولا تكون له إذا أسلم.