تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا قلنا بفسخ العقد إذا أسلما جميعا، فإن ابن القاسم ذهب إلى فسخه، لكونه حكما بين مسلم وذمي، والحكم بينهما كالحكم بين المسلمين.

وأما مالك فإنه يتوقف في ذلك إذا تعلق للنصراني حق في إمضائه، فقال:

إن أسلم ذمي إلى ذمي دينارا في دينارين، فإنه إن أسلم الذي دفع الدينار لم يكن له سواه، لكون الفسخ على مقتضى دين الإسلام، الذي رجع إليه لا يوجب له إلا رأس ماله، ولا مضرة على المسلم إليه الذي بقي على دينه، بل الفسخ أنفع له لكونه إذا لم يفسخ ذلك ألزم ديناران فإلزامه دينارا واحدا منهما أنفع له وأخف عليه. وأما إن أسلم الذي عليه الديناران فإن مالكا رضي الله عنه، قال: لا أدري. لأنه إذا فسخ العقد في حق هذا المسلم لحق النصراني ضرر بإسقاط دينار كان استحقه لما عقد هذا العقد، والمتعاقدان نصرانيان. فإن أمر الذي أسلم بدفع دينارين فقد تمم العقد وأمضاه عليه، وهو في دين الإسلام محرم ممنوع.

وقد ذكر في الموازية في نصراني أسلم دينارا في دراهم إلى أجل لنصراني مثله، ثم أسلم دافع الدينار، فإنه يفسخ العقد في حقه خاصة. لكون هذا حراما في دين الإسلام. ولا يفسخ في حق النصراني الذي بقي على دينه. وإذا لم يفسخ في حق النصراني قضي عليه بإخراج الدراهم التي في ذمته. ونهي المسلم عن أخذها، لئلا يكون متهما لعقد عقد على ربا. فتباع الدراهم، ويشتري بها دينارا. فإن قصرت الدراهم عن الدينار كان ذلك مصيبة على دافع الدينار. وإن ساوته أخذ الذي أسلم الدينار رأس ماله. ووافق ذلك طريقة من فسخ العقد في حقهما جميعا ورد رأس المال. وإن فضل من الدراهم فضلة ردت للنصراني، لكون المسلم حرام عليه أخذها. فتعود إلى ملك النصراني الذي دفعها. وهذا كالأمر برد رأس المال فيمن أسلم دينارا في دينارين. ولكنه ها هنا لما كان قد يلحق النصراني ضرر في القضاء عليه بدينار، لكون الدراهم نقص قيمتها عن الدينار، أو لتعذر الدينار عليه، روعي حقه في ذلك، على حسب ما قلناه.

وأما إن أسلم دينارا في خمر، والمتعاقدان على ذلك نصرانيان، فأسلم الذي عليه الخمر، فإنه يفسخ العقد في حقه، ويرد رأس المال، ولا يراعى في ذلك حق التصراني، لكون الخمر يستحيل من المسلم تملكها في شرعه، ولا يجوز له شراؤها. فصار النصرانى وإن تعلق له حق بأن لا يفسخ العقد، ويطلب الخمر التي أسلم فيها، فإنه لما استحال وجودها عند المطلوب استحال طلبه،

ووجب فسخ العقد. كمسلم اشترى سلعة معينة فيها حق توفية، فهلكت لما استحال طلب المثمون (1) إذا هلك، أو أسلم في شيء فطرأ ما أحال وجوده.

وإن أسلم الذي له الخمر فقال مالك ها هنا: لا أدري لأنه إن فسخ العقد وأمر النصراني الذي عليه الخمر برد رأس المال، وقد تعلق له حق بأن لا يرد إلا عوضه لحق النصراني في ذلك ضرر. وإن أمر النصراني بأن يدفع ما عليه من خمر مراعاة لحقه، لحق الذي أسلم ضرر لكونه لا يحل له تملكها، وإذا أخذها أريقت عليه. فتوقف مالك، رضي الله عنه، في هذا لأجل تعارض الحقين. وقد ذكر عن ابن القاسم أنه قال: يغرم النصرانى الخمر وتراق على المسلم إمضاء للعقد في حق النصراني، كما (2) يلحقه في فسخه من الضرر، وإذا أمضي العقد في حقه وجب إراقة الخمر على الذي يصير إليه إذ لا يحل له ملكها ولا شربها.

وقد قيل في سلف الخمر، إذا أسلم الذي دفعها قرضا مثل هذا كما نذكره الآن. وهذا على هذه الطريقة. وقال عبد الملك: إذا أسلم الذي عليه الخمر لم يكن عليه غرامة، ولا للطالب الذي دفع رأس المال فيها مطالبة بشيء. وهذا كمثل ما حكيناه عن سحنون في السليمانية أنه إذا أسلمها (3) جميعا فإنه يسقط الخمر عن من هي عليه ولا مطالبة عليه برأس المال ولا غيره.

وعلى طريقة محمد بن عبد الحكم يغرم الذي عليه قيمتها عوضا عن عينها لما استحال ملكه لها وشراؤه إياها شرعا.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤١٧