وقد كنا نحن قدمنا أن غلط الوكيل في التصرف فيه اختلاف كون الوكيل ها هنا غير ضامن. فقد يقال: إن العقد الذي وكل عليه قد وقع على ما يتملكه البائع وينعقد ملكه عليه. ولكن بعد انقضاء الوكالة وانعزال الوكيل خاطبه الشرع بأن يعتق أباه، فصار ذلك خارجا عن إتلاف في نفس التصرف، (والعقد ها هنا ينظر فيه) (1).
وإن كان الوكيل اشترى ذلك عالما بأن هذا الشراء لا يلزم الموكل لكونه متعديا فيما فعل، وهو ها هنا وإن كان العتق بعد إنبرام العقد على ما أشرنا إليه
فإنه إذا كان عالما بمآل هذا العقد صار قاصدا للإتلاف، ولكن هذا مما يقدح فيما أشرنا إليه في العذر في اعتراضهم عن تخريج الخلاف في خطأ الوكيل في هذا. فإذا كان هذا الشراء لا يلزم الموكل فإنه يلزم الوكيل بمقتضى حكم إطلاق المعاملة بينه وبين البائع منه. فإذا لزمه ذلك فهل يمكن من استرقاق هذا العبد أم لا؟ فيه قولان: ذكر يحيى بن عمر عن عبيد بن معاوية أن هذا العبد يكون رقيقا للوكيل الذي غرم ثمنه لكونه لا يجب عتقه عليه بأصل الشرع إذ لا قرابة بينه وبينه، ولم يجب العتق على ولد هذا العبد لكون العقد لم يلزمه ولم يقع عليه، وأشار يحيى بن عمر إلى أن هذا مقتضى قول ابن القاسم. وذكر يحيى بن عمر أن البرقي قال له: إن هذا العبد يعتق على الوكيل، وكأنه قدر أن الوكيل التزم عتقه لما اشتراه لموكله وهو عالم بأنه يعتق عليه وأنه لا يصح ملكه، فصار بهذا قاصدا لعتقه عن موكله من مال نفسه، وعتق الإنسان عن غيره لازم.
وأشار بعض المتأخرين إلى أن مقتضى مذهب ابن القاسم كون هذا العبد يعتق كما يعتق عن المقارض أبو رب المال إذا اشتراه عالما بكونه يعتق على رب المال لما له من الشبهة باستحقاقه التصرف في هذا العبد بالبيع له والشراء، كما يعتق عبد الصغير إذا أعتقه أبوه عن نفسه ويغرم قيمته لولده لما له من شبهة التصرف في مال ولده، فأشبه عتق عبد نفسه عن نفسه أو عتق عبد ولده الصغير عن رجل آخر، فإنه ينفذ العتق ويطالب الأب بالقيمة ويقدر، لما يملكه من شبهة التصرف في مال ولده، كأنه أعتق ملك نفسه عن نفسه أو عن غيره.
والذي أشرنا إليه، من استحقاق تصرف هؤلاء وكون ذلك شبهة، تختلف مراتبهم فيه، لكون الأب يملك التصرف في مال ولده ملكا مطلقا بحكم الشرع، والمقارض يملك التصرف في هذا العبد بالبيع له والشراء، والوكيل إنما يملك مقدار ما وكل عليه. في أمر هذا العبد.
ولو ادعى الموكل على الوكيل أنه اشتراه عالما بكونه ممن يعتق عليه لكان القول قول الوكيل لكون الموكل يدعي ما يوجب غرامة الوكيل، والأصل براءة
ذمته، فإذا حلف الوكيل على ذلك لزم الموكل الشراء وعتق العبد عليه. وإن نكل الوكيل عن اليمين وحلف الموكل انتفى عنه هذا العقد، وعتق العبد على الوكيل، وقولا واحدا، لكونه ها هنا مقرا أنه اشتراه غير عالم بكونه ممن يعتق وأن عتقه يجب على الموكل. وإن كان الموكل قد ظلم في جحوده ذلك.
ومما ينظر فيه مما يجري على هذا الأسلوب وكالة رجل رجلا على أن يشتري له سلعة بمال دفعه إليه، فتسلفه الوكيل ثم أخرجه من ذمته فاشترى له السلعة التي أمره الموكل بها. فإن أصحاب الشافعي ها هنا ذهبوا إلى أن هذا الشراء لا يلزم الموكل لكون الوكالة انفسخت بتسلف الوكيل هذا المال الذي صار في ذمته، فإخراجه من ذمته والشراء به لا يلزم الموكل، لكون الوكالة قد انفسخت قبل هذا الشراء، كما لو وكله على بيع عبد فمات العبد قبل أن يبيعه فإن الوكالة تفسخ بذهاب عين ما وكل عليه.
وهذا الذي قالوه ينبغي أن يلتفت فيه إلى ما وقع في المذهب من سلف الوديعة هل يجوز أم لا؟ فعندنا فيه اختلاف، وإذا تسلفها ثم ردها إلى أمانته فضاعت، هل يبرأ بذلك أم لا؟ فيه اختلاف في المذهب، فإذا قلنا: إنه يباح له السلف في الوديعة في هذا المال الذي وكل عليه إذا لم يتلف بتسلفه غرض الموكل، وإن قوله في رد ما تسلف يقبل ويبرأ برده، فإن مقتضى هذا أن يكون ما اشتراه بعد السلف لازما للموكل على أنا سنذكر تعدي الوكيل هل يوجب فسخ وكالته فيما بعد إن شاء الله تعالى.