تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك يجب حمل التخاطب منا على العموم. وإذا لم يقيد الموكل الوكالة بثمن بين الأثمان ولا حده بمقدار، ولا وصفه بالحلول، اقتضى ذلك إباحة عقد البيع على أي صفة شاء الوكيل. لأن من باع بثمن مؤجلا سمي عقده بيعا.

وكذلك من باع بثمن بخس فإن عقده يسمى بيعا. وكذلك إذا باع بعرض فإنه يسمى ذلك بيعا. فكل ما يسمى بيعا دخل في عموم الوكالة. ولما كان للموكل أن يبيع سلعته كيف شاء فكذلك للوكيل أن يبيعها، بمقتضى عموم اللفظ، كيف شاء مما يسمى بيعا. ولهذا منعناه أن يهبها، وإن كان جائز للموكل أن يهبها، لأنه إنما وكل على ما يسمى بيعا، والهبة لا تسمى بيعا.

وقد اعتمد أصحابنا في الرد عليه إذا باع بثمن بخس فإنه واهب لبعض السلعة التي وكل عليها، والهبة ليست إليه، كما لو وهب الوكيل جميع السلعة.

فإن من باع ما قيمته مائة دينار بعشرين دينارا، فإنه واهب لأربعة أخماس السلعة، وليس للوكيل أن يهب.

وينفصل أبو حنيفة عن هذا بأنه يسمى هذا بيعا، وإن كان بثمن بخس، لأن حقيقة البيع نقل الملك بعوض، وها هنا انتقل بعوض. فلا مبالاة بالعوض كان قليلا أو كثيرا, لأن التسمية معلقة بحصوله، لا بمقداره ولا بجنسه ولا بنسيئته. والمريض إذا باع بمحاباة فإن محاباته إنما كانت في الثلث، وإن كان له أن يبيع، لأجل تعلق حق الورثة بماله، وليس له أن يضرهم. وكذلك الأب والوصي ليس لهما أن يبيعا مال من في ولائهما ببخس, لأن الشرع إنما ملكهما البيع عليه بشرط إحسان النظر، فإذا أساءا فيه صارا معزولين عن هذا الفعل.

كما لو قيد الموكل الثمن، فإن الوكيل ليس له مخالفة ذلك،

وعمدة أصحابنا أنا، وإن سلمنا حمل لفظ الوكالة على العموم، فإنا قد اتفقنا على أن النص على التقييد لا يجوز للوكيل مخالفته. فإذا لم يقيد، وكان العرف يقوم مقام النص على التقييد، وجب أن يمنع الوكيل من مخالفته، أيضا ألا ترى أن المالك لسلعة إذا باعها بمائة دينار ولم يصف سكتها، وفي البلاد سكك مختلفة، أن البيع فاسد. وإذا نص على سكة بعينها صح البيع. وإن لم ينص، وكان العرف البيع بسكة معينة، فإن البيع صحيح، لكون العرف يقوم مقام النص على تعيين سكة من هذه السكك.

ويقول أصحابنا، أيضا: لا نسلم كون بيع العرض بالعرض بيعا على الإطلاق، بل هو بيع من وجه وشراء من وجه، وإنما البيع المطلق بالدنانير والدراهم التي هي أثمان مختصة، فذلك هي عندنا علة الربا فيها خاصة.

والعقود تختلف أسماؤها باختلاف أوصافها. فإذا كان العرض بيع بدنانير أو دراهم على الحلول، سمي بيعا. وإن كان العرض مؤجلا في الذمة، سمي ذلك سلما. وإن كان العرض معجلا والدنانير أو الدراهم مؤجلة، سمي بيعا بدين.

وبيع العرض بالعرض ليس أحدهما بأن يسمى ثمنا والآخر مثمونا بأحق بذلك من صاحبه.

وأبو حنيفة يجيب عن هذا بأنه قد حصل حقيقة البيع في من وكل رجلا على بيع عرض, لأن المراد أن ينقل ملكه من هذا العرض بعوض، وقد حصل هذا المراد، وحصلت التسمية. وإنما يعرض ما أشرتم إليه (من حكم، وأما) (1) فنفس العقد يقتضي تسمية هذا بيعا.

ومما يعتمد عليه أصحابنا وأصحاب الشافعي قياس الوكالة في البيع على الوكالة على الشراء. وقد اتفقوا على أن الوكيل على الشراء ليس له أن يزيد على ثمن السلعة التي اشتراها زيادة خارجة عن العادة. وكذلك إذا وكل على بيعها فليس له أن ينقص من الثمن المعتاد فيها. وكذلك في جنس الثمن، وحلوله وتأخيره.

وانفصل أصحاب أبي حنيفة عن هذا بثلاث انفصالات:

أحدها أن الوكيل إذا اشترى بثمن زائد على المعتاد يتهم أن يكون إنما عقد الشراء لنفسه، فلما استغلاه نسب ذلك إلى الموكل وألحقه به. والوكالة مبنية على الإئتمان، وهو حقيقتها، وإذا تطرقت إليها التهمة بطلت حقيقتها، فوجب بطلان ما يعود بإبطال حقيقتها، كما يجب إبطال الفرع إذا عاد بمناقضة أصله وإبطاله. ولا تتصور هذه التهمة في الوكالة على البيع.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٦٢