ويجيب المخالف عن هذا بأن الامتناع من قبول الخصام بوكالة فيه غرض صحيح, لأنه قد يوكل الخصم الألد الحاذق بالتحيل في الخصومات وإبراز الباطل في صورة الحق، ولو ترك الخصم مع خصمه لأمن من ذلك، مع كون الوكيل لا علم عنده من صحة الطلب أو بطلانه أو (3) المرافعة عنه هل هي حق أو باطل، وقد يتعدى فيها بما (4) يجوز، فلهذا يجب أن تمنع وكالة الحاضر.
بخلاف الوكالة على قضاء الدين فإن تناوله من يد الموكل والوكيل سواء لا يتصور اختلاف الأغراض فيه. وليس منازلة الخصم المطلوب أو الطالب، وهو مغفل، كمنازلة الوكيل العارف بوجوه الخصام والمناقضات.
فإن قيل: قد صار للطالب حق في مجاوبة المطلوب، وإذا كان ذلك حقا
له لم يلزمه أن ينتقل عنه حقه في ذلك إلى غير من استحقه عليه، ألا ترى أن الحوالة لا تلزم بغير رضي من له الدين لما كان استحق دينا في ذمة فلا يلزمه التنقل إلى غيرها.
وأجيب عن هذا بأن إلزامه للحوالة إسقاط ملك له عن ذمة واشتراء ذمة أخرى، والبيع والشراء لا يكون إلا بالتراضي. وهذا المعنى لا يتصور في الوكالة.
وأما ما ذكروه أيضا من كون الوكيل قد يقع في المدافعة بباطل، فإن ذلك لم يحرم عليه الوكالة, لأنه يبني أمره على صدق من وكله، ألا تراه إذا رضي الخصم بالوكالة حصل الاتفاق على جوازها مع إمكان أن يكون الوكيل يقع في باطل. وإنما ذلك لأنه يبني أمره على صدق من وكله.
وكذلك أيضا، اختلف الناس في جواز الوكالة على استيفاء القصاص والحقوق من غير حضور الموكل. وذكر بعض أصحاب الشافعي أن الوكالة عليها تجوز من غير خلاف عندهم. وقال بعضهم بالمنع من غير خلاف. وقال بعضهم: إن مذهب الشافعي على قولين في هذا. واعتلوا للمنع بأنه يمكن أن يكون لو حضر الموكل لعفا وأسقط حقه في ذلك، فيجب أن يحتاط للدماء بان لا تراق مع جواز أن تصان، فإذا حضر الموكل لاستيفائها أمن من هذا الذي جوزناه. واعتل المجيزون بأن هذا التجويز والإمكان لا يرفع الأصل الثابت وهو جواز النيابة قياسا على سائر الحقوق. وناقضوا من منع من ذلك بأن هذا الإمكان والتجويز الذي اعتلوا به يوجب، أيضا، ألا يقام الحد إلا إذا حضر الذين شهدوا لجواز أن يرجعوا عن الشهادة.
قال القاضي أبو محمد، رحمه الله:
"وهي من العقود الجائزة فليس للوكيل أن يتصرف بعد علمه بعزل الموكل له وتصرفه باطل يضمن ما أتلف. وفي ضمانه ما يتصرف فيه بعد العزل وقبل العلم خلاف".
قال الإمام، رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل أسئلة، منها أن يقال:
1 - هل الوكالة من العقود الجائزة أو اللازمة.
2 - وهل تصح العزلة مع كون المعزول لم يعلم بها.
3 - وهل يقوم الموت وزوال العقل مقام العزلة؟
4 - وهل يلزم الموكل إقرار وكيله؟
5 - وهل تتضمن الوكالة على العقود ما تعلق بها؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
إذا وكل رجل رجلا على أن ينوب عنه في ما ذكرنا أنه تجوز النيابة فيه، فإن الوكيل بالخيار بين أن يقبل الوكالة أو يمتنع من قبولها.
فإن قبلها على الفور عند خطاب الموكل فلا خفاء بصحة ذلك وجوازه.
وإن لم يقبلها إلا بعد زمن طويل، فإن أصحاب الشافعي ذكروا أن هذا القبول يصح في المعلوم والمجهول والموجود كما يصح ذلك في الكالة (1).
مثل أن يوكله على أن يقتضي من زيد مائة دينار، أو يقتضي من زيد ما استحقه عنده من غير أن يعلم مبلغه، أو يوكله على ما قد استحقه على زيد أو على ما يستحقه قبله. كما يستوصي من ينظر بعد موته في معلوم أو مجهول، وما استحق وما يستحق. فلما كانت الوصية تصح، وإن تأخر القبول، فكذلك تصح الوكالة وإن تأخر القبول.
وأما مذهبنا فإنه قد يخرج عندي على القولين في قول الرجل لامرأته: اختاري، أو قوله: أمرك بيدك. فإنه اختلف قول مالك فيها إذا قامت من المجلس ولم تخبره في أي مرة، أن حقها سقط بتراخيها عن الجواب.