تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الحدود فتجوز النيابة فيها أيضا. وقد قال عليه السلام: (واغد يا أنيس على امرأة الآخر فإن اعترفت فارجمها (4).

وعند الشافعية اختلاف في جواز الوكالة على استيفائها مع غيبة الموكل.

وتجوز الوكالة في اقتضاء الحقوق. وقد قال عليه السلام لجابر: خذ لي

من وكيلي في خيبر خمسة عشر وسقا (1).

وكذلك في إجرائها، وفي حديث فاطمة بنت قيس إقامة وكيل يجري عليها النفقة (2).

وتجوز النيابة في عقد النكاح. وقد وكل عليه السلام عمرو بن أمية في عقد نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان وهي بالحبشة (3)، ووكل أبا رافع في عقد نكاح ميمونة بنت الحارث (4).

وتجوز النيابة في الطلاق، وقد قال تعالى: ﴿فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾ (5).

إلى غير ذلك من سائر المعاملات المالية.

وأما الوكالة على الخصومة فإنه لا خلاف في جوازها عند الضرورة إليها لأجل غيبة الموكل أو مرضه أو كونه امرأة ذات خدر. لأن هؤلاء في حكم من لا تتأتى منه الخصومة (فضمت الضرورة إلى إباحتها بهم) (6).

وأما وكالة الحاضر على الخصومة فإن ذلك يصح عندنا، وعند الشافعية.

ويمنع عند أبي حنيفة، وخالفه أصحابه في ذلك، أبو يوسف ومحمد بن الحسن. وتعلق من الظواهر بقوله تعالى: ﴿وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون﴾ (7). فإذا طلب بحق فلم يحضر مجلس الحكومة واستناب، فقد أعرض، والإعراض قد تضمنت هذه الآية ذم من فعله.

وهذا استدلال ضعيف، والقصد به ذم من لم يؤمن، ألا تراه قال تعالى: ﴿أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله﴾ (1) وهذه أوصاف الكفار.

وتعلقوا بقوله، عليه السلام: "من ولي بين اثنين فليساو بينهما في المجلس والنظر" (2). وهذا يقتضى حضور الخصمين جميعا حتى تقع المساواة بينهما.

وهذا كما كتب عمر، رضي الله عنه، لأبي موسى الأشعري: "ساو بين الخصمين من مجلسك ولفظك ولحظك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك" (3).

وهذا التعلق أيضا ضعيف, لأن المساواة تحصل بين الوكيل والخصم والوكيل يحل محل الموكل، والمساواة ها هنا بين الوكيل والخصم كالمساواة بين الموكل والخصم، مع كون الخصم له أن يوكل فيستويان في سائر الأحوال.

فإذا لم يمنعه من ذلك فقد وقعت المساواة بينهما.

وهكذا إن قالوا: أحد الخصمين يتمرث بالخصومة وحضور مجلس المحاكمة، وقد يضع من نفسه بذلك، فإذا وكل الآخر وتنزه عن ذلك لم يستويا, لأنه، أيضا، لم يمنع هو من أن يوكل، واختار أن ينوب بنفسه، فترك المساواة بينهما من قبله لا من قبل الحاكم.

وتعلق بأن (4) لا تنقل الشهادة عن شهود حاضرين، فإذا لم تقبل شهادة الفرع مع حضور الأصل فكذلك لا تقبل الوكالة مع حضور الموكل إذا لم يرض الخصم بذلك.

وأجيب عن هذا بأن لسان الوكيل كلسان الموكل وكلامه ككلامه، وشهود الفرع إنما شهدوا بنقل شهادة، وشهود الأصل شهدوا بالحق من أصله، فلم يكن ذلك كالوكالة. وأيضا فإن القاضي يلزمه البحث عن عدالة الشهود، فإذا التزم

قبول شهادة الفرع كشف عن فرقتين شهود الفرع وشهود الأصل، وهذا فيه كلفة، بخلاف الوكالة. وأيضا فإن عدول شهود الأصل عن الحضور، مع عدم العذر، مما يستراب، إذ لو حضروا لظهر للقاضي من حالهم وتأدية شهادتهم ما يوجب الوقف.

وقد قال بعض أصحاب الشافعي: الفرق بينهما أن الوكالة تجوز من الحاضر إذا رضي خصمه، ولا تجوز قبل (1) شهادة الفرع مع حضور الأصل وإن رضي الخصم.

وهذا الذي ذكروه، من الفرق، وكون الرضى لا ينفع، ونقل الشهادة والرضى ينفع في قبول الوكالة، يفتقر إلى تفصيل.

ويعتمد من يجيز الوكالة على الخصومة، وإن كان الموكل حاضرا، على أن إباء الخصم من التوكيل عليه تعنيت وإضرار بالغير من غير فائدة، وهذا ممنوع في الشرع، ألا ترى أن من عليه حق فوكل على قضائه فإن (2) ليس من حق من له الدين أن يمتنع من قبوله من يد الوكيل لما كان لا فائدة له في هذا الامتناع.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٤٩