تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كنا قدمنا عن بعض أشياخي أنه يسند هذا الخلاف إلى النظر في البيع، هل هو التقابض أو التعاقد؟ وكان أيضا أولع به غيره من الأشياخ من إجراء الخلاف في هذا الأصل على الاختلاف في مراعاة مضي أمد التسليم، ومقدار المناولة بعد زمن العقد. ويرى أن ذلك لو اعتبر لم يسقط بالتراخي، كما أن التوفية بالكيل والوزن لا يسقط حكمها بتأخير الكيل أو الوزن.

وهذا التشبيه ضعيف لأن الكيل والوزن إنما يتعلق الضمان بهما، لكون المبيع لا يتميز عن ملك البائع إلا بالكيل، ولا يعلم مبلغ ما باع إلا بذلك.

بخلاف العبد والثوب المتميزين بذاتهما وأجزائهما. وإنما قال من قال إن مجرد العقد دون إقباض المشتري للمبيع أو تمكينه منه لا يوجب الضمان. وإذا مضى مقدار زمن التمكين، انتقل الضمان وسقط ما اعتبرناه من تعلق حق المشتري بإمكان المناولة وتناول ما باع. فإذا تراخى عما جعل له من الحق في التناول.

فقد أسقط (1) في ذلك بعد أن وفاه له البائع. وإلى هذا المعنى أشار في مختصر ابن شعبان مالك، رضي الله عنه، من اعتبار حال المشتري. فإن كان مليا

من أهل البلد، كان الضمان منه. وإن كان بخلاف ذلك كغريب فقير، كان الضمان من البائع. فقدر أن المشتري إذا كان مليا معروفا، فإبقاء السلعة بيد البائع إنما كان باختياره، فصار كمودعها عند بائعها. وإذا كان فقيرا ممن يمنع منه حتى يدفع الثمن، صار المنع منها من قبل البائع، وكان ضمانها منه. ولهذا قال في هذه الرواية: وإن كان البيع إلى أجل عشرة أيام أو نحوها كان الضمان من البائع, لأنها كالرهن.

وهذه الإشارة إلى كونها كالرهن هي طريقة ابن القاسم في المحبوسة بالثمن. فإن مالكا اختلف قوله في عبد بيع وحبس بالثمن، فقال مرة: هو من البائع. وهو اختيار أشهب. وقال مرة أخرى: هو من المشتري. وهو اختيار ابن القاسم، وأجراه مجرى الرهن. ولكن ابن القاسم اختار من قولي مالك في سلعة حاضرة بيعت وحبست بالثمن كونها من المشتري. واختار من قولي مالك في سلعة غائبة بيعت كون ضمانها من البائع. وإن كان مالك قد اختلف قوله فيهما، هل ضمانهما من البائع أو من المشتري؛ وكان بعض أشياخي يعتذر عنه في اختلاف اختياره من قولي مالك في هاتين المسألتين الحاضرة والغائبة، بأن الغائبة يستحيل تسليمها والتمكين منها بفور العقد، فتعلق ضمانها بالبائع، والسلعة الحاضرة تسليمها بفور العقد ممكن غير ممتنع، فيحسن اعتبار مضي زمن التسليم في هذا (كما يستحيل التمكين فيه) (1). بخلاف بيع الغائب الذي يستحيل التمكين فيه بفور العقد.

ومن الأشياخ من يسلك طريقة ثالثة سوى ما قدمناه من اعتبار بعض أشياخي تعلق الحكم بالعقد أو القبض واعتبار غيره لمقدار المناولة. فقال: إن أحد قولي مالك في هذا العبد المحتبس بالثمن أن ضمانه من بائعه إنما بني الجواب فيه على أن الرهن يضمن ولو كان حيوانا ومما لا يغاب عليه. وكأنه

يشير بهذا إلى حصول الاتفاق على كون الضمان من المشتري. ويسند الخلاف

إلى كون المشتري رهن العبد، وهو مما لا يغاب عليه، هل يضمن هذا الرهن الراهن أو المرتهن؟ وهذا ظاهره مخالف لما تقتضيه الروايات المشهورة في كون ما لا يغاب عليه. لا يضمن. ويبعد تأويل روايات مشهورة على مذهب شاذ.

وقد كنا قدمنا قبل هذا أن طرق الاستدلال أنه اتفق على أن الخراج الحاصل عقيب العقد للمشتري، فاقتضى كون الضمان يكون منه لقوله:

(الخراج بالضمان). ونبهنا على ما قال أصحاب الشافعي في هذا. وما ذكر من الاتفاق عليه لا يسلمه بعض أشياخي ويرى أن الروايات بخلافه، وأن الذي يحدث بالمحتبسة بالثمن من عيب ونقص يجري على الخلاف في ضمانها.

وكذلك ما يكون لها من غلة يجري على الخلاف أيضا في ضمانها. فإن قيل: إن الضمان من المشتري، كان الخراج له والغلة، لأجل ضمانه. وإن قيل: إن الضمان من البائع، كان الخراج له والغلة، لأجل ضمانه، ولو كانت الغلة كراء دار أو إجارة عبد. وسننبه على هذا في بيع الغائب إن شاء الله تعالى.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٤٤