تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسبب هذا الاختلاف من جهة الظواهر قوله - صلى الله عليه وسلم - (الخراج بالضمان) (1) فقال البغداديون، من أصحابنا: اتفق على أن الخراج للمشتري بمجرد العقد، وإن لم يقبض المبيع. فاقتضى هذا الظاهر كون الضمان منه لمكان الخراج له، لكونه عليه السلام علق أحدهما بالآخر في هذا الحديث.

وأجاب بعض أصحاب الشافعي عن هذا بأنه (2) عليه السلام إنما يتضمن كون من له الخراج عليه الضمان. إلا أن يقلب هذا اللفظ فيكون الحديث الضمان بالخراج، فإنه إذا قال: الضمان يوجب الخراج، لم يقتض هذا الخطاب أن يعكس، فيقال وكذلك الخراج يتضمن الضمان ويدل عليه. وليس إذا قرن الشيء بالشيء وصح في الطرد يجب أن يصح في العكس، وإنما اشترط الطرد والعكس في العلل العقلية، ألا ترى أنه لو قال قائل: كل مرسل نبي، لم يلزم من هذا لما علق الرسالة بالنبوة أن يكون كل نبي رسول.

ويتعلق المخالفون بخبر آخر وهو ما ورد في الحديث من نهيه عن بيع ما لم يقبض وعن ربح ما لم يضمن (3). فكأنه إنما أشار إلى علة النهي عن بيع ما لم يقبض بأنه إذا لم يقبض فلم يضمن.

وأجيب أيضأ بأن هذا لا يسلم كونه دليلا على أن علة النهي عن بيع ما لم يقبض كونه لم يضمن، ونحن نقصر النهي على الأطعمة المكيلة والموزونة، فإنا لا نجيز بيعها قبل قبضها، ونجيز بيع العروض قبل قبضها بالأدلة التي قدمنا في موضعها.

وأما سبب الاختلاف من جهة الاعتبار، فإن المخالف يرى أن المبيع إذا لم يقبض، والعقد معرض للفسخ، وإذا كان معرضا للفسخ، لم يستقر انبرامه ولزومه استقرارا كاملا؛ ولهذا التفت الشرع في الصرف إلى إبطاله بالافتراق قبل التناجز لما كان مجرد العقد لا يتم به الملك تماما كاملا. والصرف خص بمنع الافتراق قبل تمام الملك.

وأجيب عن هذا بأن هذا حكم مقصور على الصرف وعلى ما فيه الربا مما لا يحل التأخير والافتراق قبل إنجازه لاختصاصه بدخول الربا فيه. ومنع الافتراق لأجل كون الملك في البياعات كلها لم يتم بالعقد.

ويستدل أصحاب مالك بأن مجرد القبض من غير تقدم عقد لا تأثير له في إثبات الضمان في كل المتملكات على أي صفة وقع القبض. وإنما يتعلق به حكم الضمان المتفق عليه إذا تقدمه عقد وجب القبض عنه. فإذا اجتمع الوصفان العقد ثم القبض، حصل الضمان باتفاق. وإذا فقد الوصفان، لم يتصور الضمان باتفاق. فإذا وجد أحدهما، فإن كان هو القبض بمجرده، لم يؤثر في الضمان، لما قدمناه في كونه كالعدم إذا لم يتقدمه عقد. وإذا وقع العقد بمجرده، كان أولى بالتأثير في نقل الضمان لكونه لم يتفق على عدم تأثيره، وأيضا فإنه يناسب الضمان، ألا ترى أن البائع لا يحل له منع المشتري من المبيع إذا دفع إليه الثمن، بل يجبر على دفع المبيع إليه، فلولا أن العقد بمجرده نقل الملك ما جبر البائع على تسليم المبيع إليه.

وإذا تقرر أن اجتماع هذين الوصفين يوجب الاتفاق على انتقال الضمان، وجب إسناد الحكم، عند وجود أحدهما وعدم الآخر، إلى أشدهما تأثيرا ومناسبة للحكم، كما يقوله المحققون في سبب الاختلاف في إثبات الشفعة في شقص موهوب. فإن من أنكر الشفعة فيه يقول بأن الملك إذا انتقل باختيار عن عوض، وجبت الشفعة كالبيع. وإذ انتقل بغير اختيار وبغير عوض، كالميراث، لم تجب الشفعة. والشقص الموهوب قد أشبه الميراث في كونه بغير عوض، وأشبه البيع في كون الملك انتقل باختيار. فينظر أي هذين الوصفين أشد تأثيرا

في الحكم، فيغلب وجوده على عدم الوصف الآخر.

وهكذا سبب الخلاف في العبد الموهوب، هل يتبعه ماله، كما نبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.

ويستدل أيضا على تأثير العقد بمجرده بإمضاء عتق المشتري للعبد وإن لم يقبضه.

وأجاب أصحاب الشافعي عن هذا بأن الشريك ينفذ عتقه في نصيب شريكه، وإن لم يملك نصيبه ملكا تاما ولا ناقصا، فكيف بهذا المشتري الذي لم يقبض وقد ملك، وإنما يترقب زوال ملكه. وكذلك أيضا يجيبون من استدل من أصحابنا على إمضاء تصرف المشتري في المبيع، بأن تصرفه فيه بإهلاكه وإتلافه قبض له. فلهذا أنفذ تصرفه، كما ينفذ تصرفه بعد القبض.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٤٣