ولو ذهب العيب ذهابا تؤمن عودته قبل القيام به. لم يكن للمشتري مقال.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
العقود على ضربين: عقد طريقه المكايسة، وعقد طريقه المكارمة والمواصلة.
فأما ما طريقه المكايسة والمتاجرة، فإنه على قسمين: معين وغير معين.
فإن كان معينا، فالعهدة ثابتة فيه، على حسب ما قدمناه في عهدة الثلاث والسنة، إذا لم يشترط فيه البراءة، وكان من الرقيق، على حسب ما قد بيناه.
وإن كان سلما في الذمة ففيه قولان: أحدهما إثبات العهدة فيه أخذا بعموم ظاهر الخبر الذي قدمناه، وقياسا على سائر المعينات المبيعة من الرقيق، لكون العبد المسلم فيه إذا أحضر من عليه السلم عبدا، فيمكن أن يكون علم به بسبب عيب فكتمه، على حسب ماعللناه فيما سلف.
والثاني: ألا عهدة فيه لكون المشترى غير معين، ونفي التعيين الظاهر منه أنه يتضمن الجهل بسبب الأدواء المعتبرة في أدواء العهدة، فلم تثبت العهدة فيه لارتفاع علتها.
وأيضا فإنه إذا تعين بالقبض، وبقيت فيه العهدة، فإن القبض لم يتناجز.
وإذا لم يتناجز المعين المأخوذ عن دين، لم يجز ذلك، كما قال ابن القاسم فيمن أخذ عبدا غائبا عن دين في الذمة: إن ذلك ممنوع لأنه فسخ دين في عوض يتأجل قبضه.
وهذا على طريقة من ذهب إلى منع أخذ معين يتأجل قبضه عن دين في الذمة.
ومن أجاز ذلك، لم يصح على أصله التعليل بهذا. على أن في التعليل به وإن منعنا أخذ معين يتأجل قبضه عن دين, لأنا إنما ذكرنا عن ابن القاسم أنه يمنع من هذا لكونه في صورة فسخ دين في دين.
وهذا إنما يتصور مع اختلاف الجنسين وإما مع كون الجنس واحدا، فلا يتصور فيه التبدل على الحقيقة، كما يتصور في جنسين، ولهذا قال سحنون: لا عهدة في عبد أخذ من دين. لأنه إذا أخذ من دين حصلت المعاوضة ما بين جنسين مختلفين، فتصور فيها فسخ الدين في الدين.
وأما ما طريقه المكارمة من المعاوضة كالنكاح، فإنه اختلف قول مالك فيه، هل فيه عهدة إذا كان الصداق عبدا أم لا؟ فأثبت فيه العهدة مرة قياسا على سائر عقود المعاوضات المالية. ونفاها مرة أخرى لكون هذا العبد عوضه ليس بمال محض، فخرج من أحكام العقود المالية في هذا. وأيضا فإنه يتصور فيه الطريق الذي صورناها في السلم، لكون البضع إذا عقد عليه وجب تنجيز استباحة الفرج، إذ لا يصح العقد على فرج لا يستباح في الحال، والفرج لا يصح اشتراط تعجيل استباحته, لأنه كاشتراط النقد في عهدة الثلاث، واشتراط
النقد فيها ممنوع. فاقتضى هذا منع إثبات العهدة فيه، لكون إثبات العهدة فيه تقتضي منع النكاح وفساده. وفساده وارتفاعه يرفع حكم العهده. فصار هذا كفرع كر ببطلان أصله، فيكون هو الباطل دون أصله.
ومن هذا المعنى السلف، فإنه ذكر في الموازية والواضحة ألا عهدة في سلف. وهكذا قال سحنون: لا عهدة فيما تسلف. وهكذا قال ابن أبي زمنين: لا عهدة في عبد مقرض. فلم يصرح هؤلاء بثبوت العهدة في قضاء السلف.
وظاهر قول من حكينا عنه أنه قال: لا عهدة في العبد المقرض. قد يشير إلى قضاء السلف، بخلاف ابتدائه, لأن ابتداءه طريقه المعروف، لا يبنى الأمر فيه على التهم والقصد إلى المكايسة والمغابنة, لأن قصد المسلف إلى هذا وإرادته منفعة لنفسه يحرم عليه ما فعل. وقضاء السلف ليس طريقه المعروف. فقد يتصور فيه التهمة.
وهكذا الإقالة والتولية لا عهدة فيهما لما كان طريقهما المعروف.
وحاول بعض المتأخرين أن يخرج في هذا اختلافا من اختلاف أهل المذهب في الإقالة، هل هي حل بيع أو ابتداء بيع؟ فإن قيل: إنها ابتداء بيع، وجب ثبوت العهدة فيها.
وهذا التخريج فيه نظر, لأنه وإن قلنا: إنه كابتداء بيع، فإن هذا بيع قصد فيه إلى المعروف، فلم يلحق بالعقود المقصود فيها المعاوضة على جهة المكايسة.
ولم يقع في المذهب خلاف في الرد بالعيب، أنه لا عهدة فيه. وإن كان قد قيل في أحد الطريقتين: إن الرد بالعيب كابتداء بيع. ولكن هذا وإن قيل، فهو بيع أوجبه الشرع بغير اختيار من رجع إليه العبد، فخرج عن العقود الاختيارية المقصود فيها المكايسة.