تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نجيب عن هذا بأن قوله عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع وللمبتاع الخيار" (1) يقتضي عمومه إجراء هذا الحكم في سائر الاختلافات، على اختلاف أنواعها، إلا ما خصه دليل. وإن زعموا أن هذا اللفظ مجمل لا يحتج به، قلنا: بل هو عموم. فإن قالوا: هو عموم من جهة المعنى لا من جهة الصيغة؛ لأنه لم يقل: كل مختلفين في أمر أو في حكم، أو في شيء، فيدعى العموم في هذه اللفظة التي هي: أمر أو شيء أو حكم؛ ولكنه لما قال: "إذا اختلف المتبايعان" ولم يذكر ما اختلفا فيه نصا ولا عموما، صار من ناحية العموم في المعاني. قيل لهم: جماعة من الفقهاء يقولون بالعموم في المعنى كما يقولون به في الصيغ. فإن قالوا: مرور الزمن ليس بثمن ولا في معنى الثمن، فلا يجب إلحاقه بالاختلاف في الثمن. قيل لهم: الصبر على المشتري حتى ينقضي الأجل هو الذي له رخصة (2) من الثمن. فالاختلاف في الأجل اختلاف في هذه الحصة، فجرى الحكم على الاختلاف في الثمن. وإن قالوا: لو ادعى البائع شرط البراءة من العيوب حين العقد، لم يتحالفا، وكان البائع مدعيا؛ فكذلك الأجل، إذا ادعاه المشتري. فأما بعض أصحابنا فأشار إلى الفرق أن الأصل في الشرع القيام بالعيوب، وهو من مقتضى العقد، فمن ادعى خلاف هذا الأصل وخلاف مقتضى العقد، كان عليه الإثبات.

وبعض أصحاب الشافعي يرى أن دعوى الشرط بالبراءة من العيوب الباطنة في الحيوان التي يجوز اشتراط البراءة منهلالو اختلفا فيه لتحالفا كما يتحالفان في الاختلاف في الأجل.

وأما القسم الثالث، وهو دعوى البائع انعقاد البيع على كون الثمن حالا، ودعوى المشتري أنه إلى شهر. فإنه ذكر في تضمين الصناع من المدونة أنهما يتحالفان مع قيام السلعة؛ وإن فاتت صدق البائع في دعواه الحلول. وفي رواية غير يحيى تصديق المشتري مع الفوت. وذكر في كتاب الوكالات وكتاب الرهن من المدونة تصديق المشتري مع الفوت، إذا ادعى حدا قريبا لا يتهم فيه.

وهكذا قال ابن القاسم في كتاب الرهن: إنه يقبل قول البائع في دعوى الحلول.

وقد قدمنا لك اختلاف المذهب في مراعاة دعوى الشبه إذا اختلفا في الثمن، والسلعة قائمة. وأما مع الفوت فيراعى دعوى الشبه، فكأن من صدق البائع في الحلول رأى أن من ادعى الحلول هو الذي ادعى ما يشبه فيصدق، ومن لم يصدق رأى أن البيع يكون حالأوإلى أجل فيجري الأمر فيه على الاختلاف في الثمن مع فوت السلعة.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:

قد قدمنا أن اشتراط تعيين المكان الذي يقبض فيه السلم ليس بشرط في صحة عقد السلم. فإن اتفق المتبايعان على أنه اشترط في العقد القبض في بلد بعينه، فإنه يقضى على من عليه السلم بتسليمه في البلد الذي وقع فيه (1) العقد، على ما قدمنا بيانه. وإن اتفقا على أن العقد وقع على شرط تعيين بلد، واختلفا في البلد المشترط، فلا يخلو أن يدعي أحدهما اشتراط البلد الذي وقع فيه العقد، أو يدعي كل واحد منهما اشتراط بلد غير البلد الذي وقع فيه العقد. وإن ادعى أحدهما اشتراط البلد الذي وقع فيه العقد، وكان ذلك بقرب زمن العقد، تحالفا وتفاسخا؛ لأن (الاختلاف في مقدار الأجل) (2) على حسب ما بيناه.

ويجري في ذلك من الخلاف جميع ما قدمناه في أنواع الفوت، ومراعاة دعوى الشبه مع عدم الفوت؛ والاختلاف في ذلك لأجل أن مدعي موضع العقد ادعى ما يشبه، فإن وقع الفوت بطول الزمن، على المذهب المشهور المذكور في المدونة، صدق من ادعى موضع العقد، إن كان هو المسلم إليه، من غير خلاف عندنا. وإن كان مدعى موضع العقد المسلم، ففيه قولان: ففي المدونة أنه يصدق. وذهب سحنون إلى أنه إنما يصدق الغارم، وهو الذي عليه السلم، وإن كان مدعيا لغير بلد العقد.

وسبب هذا الاختلاف في هذا الوجه دون ما قبله، أنه إذا ادعى المسلم إليه موضع العقد، وهو الغارم، فقد قوي جانبه من وجهين: أحدهما: كونه غارما، والغارم هو المدعى عليه. والثاني: كونه ادعى ما يشبه، ودعوى ما يشبه توجب تصديق من ادعاه ها هنا. فصار له ترجيحان، حتى إذا كان مدعي بلد العقد المسلم افترق هذان الترجيحان، فترجح جنبة المسلم إليه بكونه غارما، وتترجح جنبة المسلم بكونه ادعى ما يشبه وهو موضع العقد، فحسن ها هنا الخلاف؛ فرجح في المدونة المسلم لأجل انفراده بدعوى الشبه، ورجح سحنون المسلم إليه بكونه غارما.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣١