تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكن رأيتا الجوزي ذكر أن شريحا وعبد الله (1) ابن حسن العنبري ذهبا إلى أن الغلة يردها المشتري أي نوع كانت.

وأما إن كانت الغلة مما يتميز، كالولد للأمة والمواشي أو الثمرة للأشجار، فإن الشافعي ألحق هذا النوع بحكم هذا النوع الذي قدمناه، وذكر اتفاق العلماء عليه عند من نقلنا عنه ذلك، وقضى بالولد والثمر للمشتري وإن

رد بالعيب، ورأى أن ذلك لا يمنعه من الرد بالعيب.

وذهب أبو حنيفة إلى أن ذلك كله للمشتري، كما قال الشافعي، ولكنه خالفه في رد المبيع بالعيب، ورأى أن المشتري لا يمكن من الرد، وإنما له قيمة العيب، وتبقى الغلة له.

وذهب مالك إلى تفصيل القول في هذا، فرأى أن النتاج ليس بغلة، ولا يمنع الرد، بل يجب رده مع رد الأم. لكن يطالب برد نقص إن حدث بسبب النتاج على ما تقدم بيانه. وأما الثمرة فإنها تكون للمشتري ولا يمنع من الرد.

فحصل من هذا أن الثمرة تكون للمشتري غلة عند الثلاث الأئمة. ولكن انفرد أبو حنيفة بكونها مانعة من الرد للمبيع، وألحقها بما يفيت المبيع. وأما الولد فإن مالكا انفرد برده، على حسب ما قدمناه. واختلف الآخران في كونه مانعا للمشتري من الرد، على حسب ما قدمناه.

هذا جملة المذاهب المذكورة في هذا جملة وتفصيلا.

وسبب الإختلاف في هذا النظر في حديث اشتهر وهو قوله عليه السلام: "الخرج بالضمان" (1). وقد ذكر سبب الاختلاف هذا الحديث، وهو أن رجلا حاكم آخر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - في عبد اشتراه، فلما ردة المشتري بالعيب، قال البائع:

يا رسول الله، يرد الغلة. فقال عليه السلام: "الخراج بالضمان". وقد خرج هذا الحديث أبو داوود. وخرجه الترمذي. وهو حسن السند. وفي بعض الروايات "الغلة بالضمان".

وقد تخاصم رجلان إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى برد الغلة على البائع.

فدخل عليه عروة فأخبره أن عائشة أخبرت عن النبي عليه الصلاة والسلام في مثل هذا أنه قال: "الخراج بالضمان". فرد عمر قضيته وقضى للمشتري بالخراج.

فمن ذهب إلى أن الغلة ترد أي نوع كانت، رأى أن هذا الحدث كقضية في عين لا تتعدى إلا بدليل. ومن رأى أن الغلة لا ترد، وإن كان الذي اغتل

غاصبا يضمن بالغصب، رأى أن قوله: "الخراج بالضمان" عموم خرج على سبب، والألف والام للجنس، فوجب التعميم، لكون كل خراج يكون لمن عليه الضمان. وقد قال جماعة من أهل الأصول: إن العموم إذا خرج على سبب، لم يقتصر على سببه بل تعدى.

ومن رأى أن الغاصب يرد الغلة، خص هذا العموم بقوله: ليس لعرق ظالم حق (1). والغاصب ظالم، فلا حق له.

ويحمل الحديث على ضمان ضمن بالملك كمشتر رد بالعيب بعد أن كان مالكا، بخلاف الضمان بالتعدي، أو يحمل الحديث على مثل السبب الذي خرج عليه وهو ضمان ما ملك، كالمبيع المعيب الذي لو شاء المشتري لم يرد على بائعه. وقد أشار ابن داوود إلى هذا بأن النظر يقتضيه، وإن لم يرد الخبر، لأجل أن المشتري إنما اغتل ما ملك، ولو شاء لم ينقض البيع فيه، وهو لم يشتر الغلة ولا أخذها وهي في ملك البائع. فيجب ردها على البائع.

وهذه الإشارة التي أشرنا إليه لها تعلق بأصل آخر قد ينشأ الخلاف منه أيضا في هذه المسألة، وهو النظر في كون الرد بالعيب هل يقدر أنه فسخ للبيع من أصله ونقض للملك، حتى كأنه لم ينتقل عن البائع، فتكون الغلة له أي نوع كانت.

ومذهب الشافعية أنه رفع له الآن.

وأشياخنا يقودون بأن المذهب عندنا عدى قولين، هل الرد بالعيب نقض للبيع من أصله؟ أو كابتداء بيع الآن؟ ويخرجون هذا من مسائل إحداها الاختلاف المشهور في مسألة من اشترى أمة على المواضعة، ثم ردها. بعيب بعد خروجها من المواضعة، هل يجب أيضا على المشتري مواضعتها كما وجب له ذلك على البائع منه لكونه بائعا؟ وإن قلنا: إن ذلك رفع للبيع من أصله، فإنه لم يبع فلا عليه المواضعة. وإن جاء بها البائع عن قربها حتى يستبريء. وقد يقال في هذا: إنما وجبت لأنه أخذها من بائعها وهي فارغة من الولد، فعلبه أن

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٠٥