تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وها هنا وقع إشكال من ناحية أبينها لك. وذلك أن المشتري قادر على رد هذا العبد إلى ملك سيده ونقض البيع فيه. وهو لو رده، ثم بعد رده أتلف مال هذا المشتري، فإنه مطلوب بغير خلاف. فمن قدر أنه ها هنا لما كان مالكا للرد، صار حكمه حكم من رد، ألزم المطالبة بهذه الجناية. ومن رأى أنه لما خير بين أن يرد العبد أو يمسكه، صار قصارى ما فيه أنه ملك أن يملك الرد.

ومن ملك أن يملك لا يعد مالكا على أحد القولين، فسقط على هذا المطالبة، لكونه إنما جنى ماله على ماله، وهو قبل أن يرد باق على ملكه. وإن قلنا: إنه بقدرته على الرد، صار مالكا للرد، وكأنه قد رد، لالتفت أيضا إلى أصل آخر، وهو ما اشتهر من الخلاف في الرد بالعيب، هل هو كابتداء بيع فيكون هذا العبد

إنما أتلف مال سيده. لكن قد يلتفت مع هذا أيضا إلى كون هذا التالف لسيده فيه مشاركة بالتدليس، فيضاف فعل العبد إليه. ولكن إنما يتعلق بالعبد الفاعل بأن يخرج من ملك سيده إن لم يفتده. فهذا وجه التحقيق عندي في هذه المسألة. وأما سبب الخلاف فيها مع القول بتوجه المطالبة، هل تتعلق برقبة العبد أو بذمته فنبسط القول فيه في موضعه إن شاء الله تعالى، إذا تكلمنا على سبب الاختلاف إذا أودع وديعة فأكلها، أو التقط لقطة فأكلها، فإنه أذن له في وضع اليد على هذا المتناول، وكأن هذا الإذن إذن في التصرف، فيكون ذلك جناية في رقبته. وقد علم أن إتلافه من غير إذن أصلا يكون في رقبته، وإتلافه مع الإذن في وضع اليد دون التصرف وقع فيه هذا الإشكال، هل هو كإذن في التصرف ووضع اليد، أو كعدم الإذن فيهما، فينظر ما يغلب في حكم هذين الموضعين على صاحبه.

ولو كانت السرقة لم يدلس بها, لم يكن للمشتري أن يرد هذا العبد إلا بعد أن يغرم قيمة يده. ولو كانت سرقة لا قطع فيها, لكان له الخيار في أن يأخذ قيمة العيب، ويتولى هذا العبد بنفسه. فيمكن من أخذ قيمة العبد لما يلحقه من خسارة في العبد إذا أراده.

وقد تنازع الأشياخ في عيب كتم بعضه وبين بعضه. مثل أن يبيع عبدا قد أبق له سنة، فيقول للمشتري أبق شهرا.

فقال الشيخ أبو بكر ابن عبد الرحمان إن هلك العبد في مدة الشهر، فلا مطالبة على البائع، لكونه هلك بسبب عيب قد بينه. وإن هلك بعد الشهر ضمنه بائعه. فكأنه أعطى لما كتم حكمه لو تجرد.

وخالفه غيره، ورأى الأقل (1) حكم الأكثر. فإن كان المكتوم هو الأكثر، صار كمن كتم الإباق كله. وإن كان المبين هو الأكثر، صار كمن بين الإباق كله. وكأن هذا قدر أنه قد ورد في الشرع إجراء حكم الأكثر على الأقل، كما قيل في ثمرة أبو بعضها، أو زرع سقي بالدلو وبماء السماء، إلى غير ذلك مما

ألحق فيه الأقل بحكم الأكثر، وكذلك هذا.

ومنهم من ذهب إلى أن الواجب في ذلك قيمة العيب المكتوم. وكان (1) قدر أن بعض مدة الإباق تبعث المشتري على حراسته وضبطه، فيكون البائع غير معين على تلفه.

وقد كنا قدمنا اختلاف الأشياخ أيضا فيمن باع عبدا به ورم، فلم يدلس بالورم، فزاد الورم عند المشتري، فقال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمان: لا يضمن المشتري هذه الزيادة لكونه إنما رد المبيع بسبب أصلها وهو مبدأ الورم. وخالفه غيره.

وكذلك كنا قدمنا أيضا، إذا دلس على المشتري بعيب فباعه هذا المشتري قبل أن يعلم بعيبه من آخر، فهلك بسبب العيب المدلس به عند المشتري الثاني، وقد ذكرنا أنه قد قيل: ينزع الثمن كله من الأول، ويقدر كونه مدلسا على الآخر لما دلس على المشتري منه.

وقد حاول بعض أشياخي أن يجري هذا الاختلاف في هذه المسألة التي قدمناها فيمن دلس في عبد باعه بعيب فمات بسبب ذلك العيب، وقد كان المشتري أعتقه أو وهبه أو كانت أمة فولدت منه، فإنه قد قال في المدونة عن المشيخة السبعة: إنه يرتجع من البائع الثمن.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٩٤