فالعوض الذي دفع للبائع قد حصل له، والعوض الذي يأخذ هو من المكاتب لم يحصل له ولا هو مستقر في الذمة. وكون المكاتب يرتجى عجزه وعوده إلى الملك لا يمنع من كون الكتابة فوتا يوجب الرجوع بقيمة العيب؛ لأنا إنما نعلل البيع على مذهب ابن القاسم بأنه قد استدرك الظلامة، على ما تقدم بيانه، وها هنا لم يستدركها، كما بيناه، مع كونه غير قادر على التصرف في المكاتب، فصار ذلك العتق في تمكينه من طلب قيمة العيب. لكن هذا المكاتب لو عجز بعد ما أخذ مشتريه الذي كاتبه قيمة العيب لأجل كون الكتابة فوتا، فإن بعض
الأشياخ قال: هذا حكم مضى لا ينقض. ويمكن (1) من أراد نقضه وارتجاع قيمة العيب من ذلك.
وكذلك لو مرض المشتري وبلغ بموجبه السياق حتى وجبت قيمة العيب ثم صح العبد، فإن ذلك أيضا حكم قد مضى. وهذا قد قدمنا نحن اختلاف الأشياخ في مسألة لما تكلمنا على من باع نصف عبد اشتراه واختار البائع أخذ قيمة العيب ثم رجع النصف الآخر إلى المشتري، فما ذكرناه يجري ها هنا.
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال: اختلف الناس فيمن اشترى أمة فوطئها، ثم اطلع على عيب كان عند البائع، ولم يعلم به حتى وطئ، فمذهب مالك أن ذلك ليس بفوت يوجب أخذ قيمة العيب. هذا المشهور عنه وعن أصحابه. لكن إن كانت الأمة بكرا فافتضها، أنه يخير بين أن يأخذ قيمة العيب لأجل ما يلحقه من الغرامة، أو يرد الأمة ويرد ما نقصها الافتضاض. وقال بعض المتأخرين: إنما ينقصها الافتضاض إذا كانت علية، وأما إن كانت من الوخش، فإن الافتضاض لا ينقصها. وهذا الذي قاله إن ثبت له من جهة العادة، فلا بد من تقييد المسألة بما أشار إليه من كون الافتضاض يوجب التخيير في العليات دون الوخش. وأما الافتضاض للوخش فكوطء الثيبات الذي لا يوجب التمكين من أخذ قيمة العيب. ولهذا قال الشافعي من كون وطء الثيب ليس بفوت ولا يوجب أخذ قيمة العيب. لكن لو كان ذلك في الأبكار فكان ذلك عيبا فيهن لكان الحكم ما قدمناه عنه في حكم حدوث عيب عند المشتري وقد اطلع على عيب.
وذكر ابن حبيب عن ابن نافع وابن وهب وأصبغ أنهم يرون الوطء فوتا يوجب أخذ قيمة العيب.
ولهذا قال أبو حنيفة ويذكر ذلك عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، ذكره ابن حبيب وذكره بعض البغداديين من أصحابنا، ومن أصحاب الشافعي عن علي رضي الله عنه. وبه قال الليث وابن شهاب. وذهب عمر بن الخطاب رضي
الله عنه، إلى أنه ليس بفوت، كما ذهبنا إليه في الثياب (1) وفصلنا القول فيه في الأبكار، ولكنه يوجب، مع تمكين الواطىء من الرد، غرامة صداق مثل الأمة.
وبه قال ابن أبي ليلى.
وذكر سحنون رضي الله عنه عن بعض من ذهب إلى أنه ليس بفوت أنه يرد في الشيب نصف عشر قيمتها، وفي البكر عشر قيمتها. هذا جملة الخلاف في هذه المسألة. وأما الذاهبون إلى أن ذلك فوت يمنع من الرد، فإنهم قد يذهبون لذلك أخذا بحماية الذريعة لما كانت الفروج لا يحل استباحتها إلا بنكاح أو ملك يمين. وملك اليمين ها هنا قد بطل لأجل الرد بالعيب، وانحل البيع من أصله، فحصل (2) الوطء كأنه في غير ملك ولا نكاح ها هنا. فوجب أن يتلافى هذا بإيجاب الصداق حتى يقدر بأنه وطئ بحكم استباحة النكاح.
واستبعد آخرون هذا التعليل لما كان العيب من سبب البائع ولم يكن للمشتري فيه مدخل، والوطء حصل من المشتري بحكم الملك، لو شاء لأبقاه في يده على التأييد، فلا يلزمه عوض عنه، وإنما يقدر سقوط ملكه الآن لما اختار رده، لا سيما إذا قلنا: إن الرد بالعيب كابتداء بيع. ولا معنى لحماية الذريعة لأجل أن الذريعة إنما تجب في أمر دخل المتعاقدان فيه مدخلا واحدا، فيتصور إتهامهما على التحيل على ما لا يحل، وعارية الفروج وإباحة الوطء.
بغير عوض دخل فيه مالك الأمة وواطئها. وها هنا لم يدخل الواطىء على هذا، فيبعد أن يظن به أنه واطأ مالك الأمة على أن يزن له الثمن ثم يرد بالعيب عليه ويظهر أنه لم يعلم به.