والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: أما التغيير من ناحية السوق، فقد ذكرنا أنه لا تأثير له. ومال بعض الأشياخ إلى اعتباره. وقد اعتبر أهل المذهب في البيع الفاسد تغيير السوق وجعله أهل المذهب فوتا يمنع من فسخ البيع الفاسد. وما ذلك إلا لأجل الضرر اللاحق بالفسخ، لكون السوق إذا زاد، أضر بالمشتري فسخ البيع، وإذا نقص، أضر ذلك بالبائع لكونه ترجع إليه سلعته وهو يخسر فيها. فجعل حوالة الأسواق فوتا على الإطلاق، لما تساوى هذا الضرر بين البائع والمشتري، فعدل بينهما بأن جعل تغير السوق بزيادة أو نقص فوتا في حقهما جميعا. وكان مقتضى التعليل الذي أشرنا إليه أن يكون الفوت في حق
المشتري إذا زادت الأسواق وفي حق البائع خاصة إذا نقصت الأسواق. لكن لما تساوى الإمكان في الزيادة والنقصان من الطرفين جميعا جعل ذلك حكما عاما.
وقد أشار المتقدمون إلى الفرق بين البيع الفاسد والرد بالعيب، فإن البيع الفاسد دخل فيه المتعاقدان، ولا مزية لأحدهما فيه على الآخر. والعيب من جهة البائع؛ لأنه إن تعمد، كان مدلسا. وإن لم يتعقد، كان مقصرا إذ لم يكشف عن العيب قبل أن يبيع، فلم يكن لاعتبار التدليس من غير جهته معنى، مع كونه مدلسا أو مقصرا. وإذا لم يعتبر ذلك من جهته، لم يعتبر أيضا من المشتري زيادة السوق عدل أبي نهما.
وأما إن كان تغير القيمة ليس من ناحية السوق لأمر أثر في البدن لحدوث سرقة العبد أو زناه أو إباقه عند المشتري، فإن هذا وإن نقص من ثمنه، فقد قال ابن حبيب: لا مطالبة على المشتري إذا رد بالعيب بقيمة هذا العيب الحادث عنده. وأنكر أشياخنا مذهبه هذا ورأوه خلاف الأصول. وحاول بعضهم إثبات خلاف في هذا، فأشار ما رآه (1) ابن القاسم في المستخرجة من أن مشتري جارية اطلع فيها على عيب بعد أن أزوجها وولدت، أنه إن اختار ردها بالعيب، لم يرد قيمة عيب النكاح الحادث عنده، وقدر هذا المتأول أنه إنما قال ذلك لكون عيب النكاح نقصا في القية لم يؤثر في العين، فأشبه حوالة السوق. وهذا عندي قد يعتذر عنه بأنه ذكر في الرواية أن الأمة ولدت، ويمكن أن يكون ولدها جبر عيب النكاح ومحا أثر نقصه، فلم يتوجه لأجل ذلك على المشتري غرامة، كما سنحكيه عن المدونة بعد هذا في جبر عيب النكاح بقيمة الولد. وإنما يبعد هذا التأول الذي تأولناه كونه لم يقيد الجواب كما قيده في المدونة باعتبار قيمة الولد، هل يجبر عيب النكاح؟ فلهذا أطلق الجواب ولم يقيده. وقد روى محمد ابن صدقة في المدنية عن مالك فيمن اشترى أمة فأزوجها ثم اطلع على عيب، أنه له أخذ قيمة العيب أو ردا مع ما نقص النكاح. وهذا الذي قاله هو أصل
المذهب لما لم يكن ها هنا ولد حادث يجبر به.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: أما تغير القيمة بزيادة من ناحية السوق، فقد تكلمنا عليه. وأما تغيرها بزيادة من ناحية تعلم صناعات، فإن المشهور من المذهب أن من اشترى عبدا فعلمه صناعة زاد بها ثمنه، أو جارية علمها صناعة زاد بها ثمنها، فإن المشتري إذا اطلع على عيب لم يكن له أخذ قيمة العيب لأجل هذه الزيادة، بل يخير بين الرد ولا شيء عليه (1) أو الإستمساك ولا شيء له. هذا هو المنصوص في المذهب. وحاول الأشياخ فيه تخريج خلاف. فقال بعضهم: قد وقع في الموازية فيمن اشترى عبدا فأعتقه وعليه دين فرد السلطان عتقه وباعه عليه في الدين، ثم أيسر المديان ثم أعسر، فاطلع المشتري من السلطان على عيب قديم كان عند البائع، أن للمشتري أخذ قيمة العيب, لأنه إن رده بالعيب أعتق على المديان المبيع عليه العبد لأجل ما حدث له من اليسر. وإذا أعتق عليه وقد صار معسرا، لم يجد مشتريه عنده ما يأخذ منه الثمن، فكان تخوف هذه الخسارة عذرا له يوجب له أخذ قيمة العيب. وكذلك خسارة ما أنفق عليه المشتري من أجرة في تعليم صناعة. وهذا يجاب عنه بأن يقال: العذر في مسألة ابن المواز كون المشتري لما اختار الرد تضمن الرد المطالبة بالثمن، وهذا لا يجد ثمنا، فلم يلزمه تسليم المثمون من غير أخذ ثمنه. وما أنفق من أجرة في تعليم صنعة لا تعلق له بالرد ولا بالثمن، فلهذا لم يكن للمشتري فيه مقال.