والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: إذا ثبت تحريم الغش والتدليس في البياعات لأجل ما قدمناه من الأدلة، فإن البيع إذا وقع على ذلك لم يمنع من صحته وانعقاده. ولا يكون البيع فاسدا يفسخ وإن رضي به المتبايعان. هذا مذهب فقهاء الأمصار.
ومن الناس من ذهب إلى أن البيع يفسد بذلك، وقرر أن التدليس لما ورد
الشرع بتحريمه، صار البائع قد عقد بيعا منهيا عنه محرما عليه. والنهي يدل على فساد المنهي عنه عند بعض أهل الأصول. وهذه الطريقة التي استند إليها من صار إلى هذا المذهب.
وقد أجيب عن هذا بأن النهي إنما يدل على فساد المنهي عنه إذا كان النهي لحق الله تعالى، وأما إذا كان لحق الخلق، فإنه لا يدل على فساد العقد، والنهي عن التدليس لحق الخلق وكون المشتري لا يحل ظلمه وأخذ ماله بالباطل، فلم يقتض هذا النهي فساد العقد.
وهذا الذي ذكرناه عن ذهاب أصحاب هذه الطريقة إلى اعتبار النهي، هل يتعلق بحق الله سبحانه أو بحق الخلق؟ قد ينتقض عليهم بغاصب غصب سلعة فباعها فأراد ربها لما مكن منها أن يجيز البيع، فإن المشهور عندنا من المذهب أن ذلك له. وحكى ابن شعبان قولا ثانيا: أنه يفسخ، ولا يمكن رب السلعة المغصوبة من إجازة البيع. وهذا لأن هؤلاء اعتقدوا أن هذا إذا اشتراه منه كان منهيا عنه، اقتضى ذلك فساد العقد. ولكن قد يقال في هذا: إن الغصب لو علم به المشتري لم يمكن رب السلعة من إجازة ذلك وإمضائه، لكون المشتري قد دخل على غرر وهو ترقب إمضاء رب السلعة للبيع أو رده، كما قيل في أحد القولين عندنا في هذا. والعيب لو علم به المشتري ولم يكن (1) فعل البائع منهيا عنه إذا علم أن المشتري قد علم به، ولا يتعلق بعقده خيار لغيره، فيكون العقد فيه غرر.
ومن آكد ما يدل على أن التدليس لا يمنع من صحة البيع حديث النهي عن التصرية فإنه عليه السلام قال: "لا تصروا الإبل فمن اشتراها فهو بخير النظرين إن شاء أن يمسكها وإن شاء أن يردها وصاعا من تمر" (2) الحديث المشهور. فنص ها هنا على أن المشتري له الإستمساك بالبيع الذي دلس البائع فيه بالعيب.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: حكم المبيع إذا اطلع فيه على عيب فخير المشتى بين الرضا بالمبيع معيبا ولا يسترد من الثمن شيئا، أو يرد المبيع ويأخذ جميع الثمن على ما اقتضاه حديث المصراة. وسنعتذر عن ذكر الصالح في موضعه، إن شاء الله تعالى. وأيضا فإن المشتري لا يلزمه أن يأخذ معيبا، وقد نقد الثمن في سليم من العيب, لأن ذلك تجارة لم يرض بها.
وكذلك لا يلزم المشتري إذا بذل البائع له قيمة العيب قبول ذلك منه لأنه لم يرض إلا بشراء سليم من العيب. وكذلك أيضا لا يجبر البائع على دفع قيمة العيب لأنه لم يرض أن يبيع إلا بالثمن الذي أخذه فلا يلزمه البيع بأقل منه.
فإن قيل: قد قلتم في استحقاق الأقل من المبيع إذا كان جملة عدد: إن البيع منعقد في الأكثر، ويرجع المشتري بما استحق، فهلا كان حكم العيب كذلك, لأنه جزء ذهب من المبيع كما ذهب الجزء بالاستحاق؟ قيل: استحقاق ثوب من عشرة أثواب لا يعيب الثياب الباقية ولا يزهد في المقصود منها. وإذا اشترى ثوبا فوجد قطعا أو خرقا، فإن ذلك الجزء الذاهب، وإن اختص بمحله، فإنه يسري إلى جملة الثوب، وكأن العيب وجد في كل جزء منه، فصار المقصود من المبيع لم يحصل، فأشبه استحقاق الأكثر من العدد في المبيع. فإذا علم أن الحكم مع قيام المبيع وكونه لم يتغير تخيير المشتري من الرد وأخذ الثمن، أو يتمسك بالمبيع ولا شيء له، فإن التراضي على أخذ الأرش وهو قيمة العيب جائز. قال القاضي أبو محمد في غير هذا: خلافا لمن منعه.
والذي أشار إليه بأنه معه هو الشافعي, لأنه منع من ذلك. منع من أخذ عوض عما ثبت للشفيع عن إسقاطه ما له من التخيير في الأخذ بالشفعة أو إسقاطها على مالا يأخذه, لأنه يقدر أن التخيير المستحق في مثل هذا ليس بمال فيصح أن يعاوض عنه بمال. وخالفه ابن شريح من أصحابه فاجاز التراضي على أخذ الأرش، كما يجوز الترانحي على إسقاط القصاص، لكون ذلك مما يرجع إلى م الذي بعض الأحوال.