تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الإمام رضي الله عنه: هذا الفصل يشتمل على حكم الرد بالعيب. ونحن سنتكلم عليه في الفصل المختص به من كتاب التلقين. واشتمل على حكم الغبن في البيع، والخلاف في ثبوت الخيار بذلك مشهور في المذهب عندنا. وبأن لا خيار للمغبون قال أبو حنيفة والشافعي. وعندي أنه قد يتعلق بما وقع في المدونة من وكيل وكل على شراء سلعة فاشتراها بأضعاف قيمتها، فإن ذلك لا يلزم الآمر. قال في المدونة: ويلزم المأمور. ولا يلتفت في هذا الإطلاق

إلى كون المأمور مغبونا. لكنه قد يعتذر عنه بأنه لم يرد الكلام على حكم الغبن، وإنما أراد أن ذلك يلزم المأمور، وأن يكون اشترى وهو عارف بالقيمة.

واختلف أصحابنا أيضا في تقدير الغبن الموجب للخيار عند من رأى ذلك من أصحابنا. فقيل: هو محدود بالثلث فأكثر. وقيل: لا حد له، والمعتبر فيه العوائد بين التجار، فما علم أنه من التغابن الذي يكثر بينهم ويتكرر وتختلف فيه اراؤههم فإنه لا مقال فيه للمغبون باتفاق. وما خرج عما اعتادوه من ذلك، فإن للمغبون الخيار.

وأما من حده بالثلث، فإنه مضى على ما تقتضيه شواهد الأصول التي حد فيها الكثير الثلث. وقد قال عليه السلام: "الثلث، والثلث كثير" (1).

وأما من أحاله على العادة، فإنه يقول: ما لم يرد الشرع فيه بتحديد فإنه يرجع فيه إلى مقتضى العوائد.

وقد اختلف عندنا في الثلث في المسائل اتتي وقع فيها التحديد، هل هو كثير أوقليل، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى في موضعه.

وينبغي أن تعلم أن الخلاف في هذا لا يقع في الغبن علي الإطلاق، وإنما هو مقيد بأن يكون المغبون لم يستسلم لمن باع منه، ولا هو أيضا من أهل المعرفة وبقيمة ما اشتراه، وإنما وقع في الغبن غلطأوهو يعتقد أنه لم يغلط.

وأما إن علم القيمة فزاد عليها، فإنه يقدر كالواهب إن فعل ذلك لغرض له فيه.

وكذلك إن استسلم البائع وأخبره أنه غير عارف بالقيمة، فذكر له البائع ما أغراه به، مثل أن يقول: أعطيت فيها كذا، أو قيمتها كذا، أو سمى الذي باعها به منه، فإن هذا ممنوع منه باتفاق.

وغبن المستسلم لا يجوز، فإن وقع كان للمغبون المقال في الغبن، كما يكون له في النجش، على حسب ما تكلمنا عليه في كتابنا المعلم.

وهذا الإختلاف سببه ما وقع من ظواهر تجاذبها المختلفان. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ (1) الآية. فيقول من يرى الخيار للمغبون: إن الغبن أكل مال بالباطل، فلا يقضى به، لنهي الله تعالى عنه. ويقول من لا يرى الخيار للمغبون: قد استثنى تعالى من ذلك التجارة استثناء عاما. وكل تجارة الأكل فيها جائز على الإطلاق، كان فيه غبن أو لم يكن. ويقول الآخرون: هذا الاستثناء كأنه ليس من الجنس ولا عائد للأول، وتقدير الكلام: لكن التجارة عن تراض جائزة.

وأما أكل المال بالباطل، فلا يقع فيه استثناء. وكذلك نهيه عليه السلام عن إضاعة المال (2) يتعلق به من قال: للمغبون الخيار ويقول الآخرون: المراد بإضاعة المال إتلافه في غير غرض صحيح يقتضيه العقل، فأفا ما اقتضاه رأى رجل لغرض صحيح، أخطأ فيه أو أصاب، فغير مراد بهذا الحديث.

وكذلك أيضا تجاذب حديث حبان لما شكا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يخدع في البيوع فقال: "إذا بايعت فقل لا خلابة" (3). ولم يحكم له برد ما تقدم من الغبن. فلو كان يجب لبين ذلك، ولقضى له به. ويقول الآخرون: هذا لا حجة فيه لأنه لم يثبت عنده الذي شكاه من الغبن ولا مقداره، ولا يلزم القضاء بما لم يثبت. ويقول الآخرون: قد قال عليه السلام: "لا خلابة"، وهذا يقتضي نفيها، اشترطت أو لم تشترط. ويقول الآخرون: إنما يقتضي رد الغبن إذا اشترط: لا مغابنة. وأما إذا لم يشترط ذلك، فلا يرد. والمراد بهذا اشتراط ألا مغابنة، ولو كان للمغبون مقال، لم يفتقر إلى اشتراط.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٦٤