تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن كان بعض أشياخي تأول عن ابن حبيب غير هذا التأويل، وذكر أنه إنما يمنع من هذا في الغنم إذا كانت قليلة، فإذا اختار المشتري ما اختار، ولم يبق إلا الشرار، فيكون تخصيصها بالبيع غررا. فإذا كانت الغنم كثيرة، ولا يتحسس إلى مقدار ما يأخذه المشتري الأول من خيارها، جاز ذلك لارتفاع الغرر فيه.

وقد وقع في الموازية في بائع باع مائة رأس من الغنم واستثنى رأسا من شرارها، "أن ذلك يتقى لما فيه من الخطر. وقال ابن المواز في كتابه: القياس جوازه.

ولو باع من مشتر عشرة من الغنم، يختارها من الجملة، ثم باع منه عشرة أخرى، يختارها أيضا، فإن ذلك جائز، ويقدر أن المشتري اشترط خيار عشرين. وقد قدمنا أنه يجوز له أن يستثني خيار الأقل من العدد. وأن أكثر فيه

قولان. ويختلف في النصف هو كالقليل أو كالكثير ها هنا. ومن لم يجز هذا قدر تصور الغرر يكون الثاني إنما يختار ما فضل عن خيار الأول، وهو لا يدري موقع اختياره، فصار في هذا البيع تخاطر.

ولو أن البائع استثنى من مائة شاة باعها شاة، فردها (1) عليه المشتري بثمنها، فإن ذلك لا يجوز. ولو سمى مقدار الثمن الذي يردها به، لجاز ذلك.

هكذا ذكر ابن المواز وفي المستخرجة: لو اشترى مائة رأس من الغنم، وفيها كبش معتل، واشترط المشتري الخيار فيه، إما أن يقبله أو يرده بحصته من الثمن، أن ذلك يفسخ ويقضى فيه بالقيمة، على حسب ما يقضى به في البياعات الفاسدة. وأشار الشيخ أبو إسحاق إلى أن هذا مبني على مذهب ابن القاسم في منعه رجلين أن يجمعا سلعتيهما ويبيعانها بثمن معلوم، لكون كل واحد منهما إنما يعلم مقدار ما باع به بعد الفض واعتبار القيم. وكذلك ها هنا قد اشترى هذه المائة رأس بمائة دينار، واشترط رد شاة منها بحصتها من الثمن، إنما يطلع عليه بعد العقد. وهذا الذي قاله الشيخ أبو إسحاق من إشارته إلى إجازة هذا على مذهب أشهب الذي يجيز لرجلين أن يجمعا سلعتيهما في البيع قد يقدح فيه بأن المشتري للسلعتين عالم بجملة ما يدفعه من الثمن، وتحقق ذلك حين العقد، وإنما تبقى الجهالة في جنبة البائعين. والجهالة في مسئلتنا هذه في الطرفين معا؛ لأن المشتري لا يعلم حين العقد ما ينوب هذه الشاة المردودة من الثمن، وإذا لم يعلم ذلك لم يعلم مبلغ ما يزنه في التسعة والتسعين المنعقد فيها الشراء. وكذلك البائع أيضا لا يعلم المبلغ الذي يقبضه فيها، فهذا مما ينظر وقد منع أشهب من اشترى عشرة من الغنم يختارها من الجملة أن يبيع العشرة من آخر قبل أن يختار, لما في هذا من الغرر. لكون المشتري من المشتري الأول لا يعلم حقيقة ما اشتراه، ولا صفة ما يختاره الأول، واختيار

الناس يختلف اختلافا كثيرا بقدر تفاوتهم في الميز والحذق. وكذلك منع أيضا أن يربحه آخر دينارا على أن يجعله مكانه في الإختيار، فيختار لنفسه العشرة التي اشتراها الأول على خياره.

وبعض الاشياخ أشار إلى تعقب هذا ورأى أن مقتضى ما قاله أشهب المنع من أن يأتي المشتري الأول برجل يختار له. وهذا لا وجه لمنعه, لأنه خلاف ما يدخل الناس عليه، وربما أدى اشتراط منعه من استشارة غيره وقصره على اختيار نفسه، إلى المخاطرة، والظن بالبائع إنما منعه من أن يستشهر (1) لاعتقاده قلة بصره وميزه لما يختار، فصار هذا نوعا من الخطار.

قال القاضي أبو محمد قدس الله روحه: والبيع جائز منجز (2) وبشرط الخيار. والخيار يثبت في البيع بأمرين: أحدهما بمقتضى العقد، والآخر بالشرط. فالأول ضربان: أحدهما أن يخرج المبيع من الصفة أو بأن يجد به عيبا (3). والآخر مختلف فيه: وهو أن يكون فيه مغابنة خارجة عن حد ما يتغابن الناس بمثله. فقيل إن البيع لازم ولا خيار. وقيل: للمغبون منهما (4) الخيار إذا دخل على بيع الناس المعتاد.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٦٣