وإنما اختلف المذهب فيمن اشترى سلعة بالخيار، وضرب للخيار مدة يجوز أن تضرب في عقد الخيار، فإن هذا قيل فيه: إن الضمان من البائع، لما قدمناه من التعليل، وقيل: بل الضمان فيه للمشتري. وأشار ابن سحنون إلى التفرقة بينه وبين فساد بيع الخيار لأجل ما قارنه من شرط النقد، لم (1) يفسد من قبل ذاته، ولكن من قبل امرئ (2) آخر ضامه، فلا يسري فساد ما ضامه إليه، ويبقى على أحكام الخيار الصحيح في كون الضمان من البائع.
وأما ما اشترط فيه من الخيار أمد بعيد، فإن الخيار فسد من ذاته ليس من جهة معنى آخر سار إليه الفساد منه.
فإن فسد من ذاته، صار لا حكم له، وإذا لم يكن له حكم، صار المبيع بيع بيعا فاسدا من غير خيار، فيضمن بالقبض على حسب ما توجبه أحكام البياعات الفاسدة.
وهذا الذي بسطناه نحن مما أشار إليه ابن سحنون يظهر وجهه على طريقة من يقول: إن من اشترط النقد في بيع الخيار إذا أسقط مشترط النقد شرطه، صح العقد، كما يصح إذا أسقط مشترط السلف شرطه في البيع الذي عقد على
سلف، لكون الفساد لم ينصرف إلى الثمن ولا المثمون والعقد، بل لمعنى آخر.
فكذلك يكون حكم هذا الفساد باشتراط النقد في الخيار.
واعلم أنه لو تنازع المتبايعان في الأمد الذي هلك فيه المبيع في أيام الخيار، فيقول البائع: هلكت السلعة بعد إمضاء العقد، فلا ضمان علي. ويقول المشتري: بل هلكت قبل إمضاء العقد، فلا ضمان علي. فإن القول قول البائع لكون المشتري يدعي حل العقد الذي كان بينهما.
وتأول هذا ابن أبي زيد على أن أيام الخيار انقضت، واختلفا بعد انقضائها. وأما إن لم يتفقا على انقضائها، فإن القول قول المشتري لكون البيع لم ينعقد. وسنبسط الكلام على هذا في كلامنا على اختلاف المتبايعين في موت العبد في أيام العهدة.
وإذا ادعى المشتري ذهاب العبد بالإباق، أو غير ذلك من الحيوان الذي لا يغاب عليه، فإنه يصدق في ذلك إذا لم يتبين كذبه.
بخلاف الموت إذا ادعاه وهو بموضع لا يكاد يخفى، فإنه لا يقبل قوله إلا أن يصدقه من حضر من العدول. واستظهر ابن حبيب عليه باليمين أن العبد ما أبق إلا قبل أن يختار إمضاء العقد. فإذا حكمنا بتصديق المشتري في دعواه الإباق، إذا لم يتبين كذبه، فإنه أيضا يستظهر عليه باليمين على صحة ما قال.
وذهب بعض الأشياخ إلى أنه يستحلف في هذا المتهم وغير المتهم.
وكذلك في دعوى ذهاب ما يستعار مما لا يغاب عليه، أو يستأجر، فإنه يستحلف المتهم وغير المتهم، لكون هؤلاء إنما قبضوا ما قبضوه لمنفعة أنفسهم، وقد تعرضوا للضمان. بخلاف ما قيل في الوديعة من التفرقة بين المتهم وغير المتهم، في كون من لا يتهم لا يستحلف على الضياع، لكونه أؤتمن على ما قبضه قبضا لا منفعة له فيه مع كونه بعيدا من الخيانة، فلهذا أسقط عنه اليمين. وسنبسط نحن هذا في موضعه إن شاء الله تعالى. كما أنا نذكر
ها هنا سؤالا ذكره في المدونة في كتاب بيع الخيار. ونبسط ما تعلق به في موضعه إن شاء الله تعالى.
وذلك أنه ذكر في المدونة فيمن باع رقيقا أو غنما على أنه بالخيار إلى أن ينظر إليها فيرضاها أو يردها. فذكر أنه إذانظر إلى بعضها وسكت، ثم استوفى النظر إلى جميعها. وقال: لا أرضى، فإن البيع لا يلزمه.
وذكر في الطعام إذا نظر إلى بعضه فرضيه، ثم نظر إلى بقيته فقال: لا أرضى، فإنه تلزمه البقية إذا كانت على صفة ما رءاه فرضيه. لأن قوله لما رأى البعض: رضيته، وقد عقد على الكل، فإن قوله هذا كالنطق بأنه رضي بالكل.
ويعد قوله بعد هذا ندما منه.
وأشار بعض الأشياخ إلى أنه لو قال في العبيد والسلع، وقد رأى بعضها: رضيته؛ فإنه يلزمه البقية إذا كانت مثل ما رضي. ولا يقبل قوله، لما رأى البقية، إني لا أرضى. ولا عذر له بأن يقول: ظننت أن الذي بقي خير مما رأيت. ولو قبل هذا منه لكان الطعام والسلع فيه سيان في قبول هذا العذر منه.