تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال بعض المتأولين: لعله إنما ألزم الثمن لمن رضي بالقبول قبل أن يجني. وهذا تأويل فيه تعسف.

وقد اختلف المذهب عندنا فيمن استهلك سلعة وقفت على ثمن، هل يضمن الثمن الذي وقفت عليه أم لا؟ ولكن بعض أشياخي أنكر تخريج الخلاف في الجناية على ما اشترى بالخيار على الخلاف في مستهلك سلعة وقفت على ثمن. وأشار إلى أن المراد بقوله: وقفت على ثمن، ما تمالأ عليه جماعة من المشترين حتى صار ذلك كالعاطل (1). وهذا الذي أشار إليه لا يمنع أيضا من أن يجري البائع بالخيار على ثمن سماه مجرى الممنوع بإتلاف المشتري ما اشتراه منه, لأنه إذا باع السلعة بالخيار له بثمن التزمه مشتريها منه فأتلفها مشتريها منه، فإنه قد منع البائع بإتلافه مما كان من حق البائع أن يلزمه إياه.

ولو كانت الجناية من البائع والخيار له وقبل البائع العبد، فلا مطالبة للمشتري عليه, لأنه كان قادرا على فسخ البيع ومنع المشتري من المبيع.

فإذا كان الخيار للمشتري، والقتل خطأ وقع من البائع، فلا مطالبة للمشتري عليه, لأن المشتري لم يتقرر له الملك فأتلفه عليه البائع فيطالب متلفه بما أتلف. لكن لو كان قتله البائع له محمدا وقيمة العبد أكثر من الثمن، لكان من حق المشتري أن يطالبه بزيادة القيمة على الثمن، لكونه له عليه أن يوفيه بما باعه منه، ويمكنه من قبضه. فإذا منعه من التمكن منه والقبض، صار كالغاصب له.

والغاصب يضمن ما غصب.

وإن كانت الجناية من المشتري، فقد تقدم الكلام عليها خطؤها وعمدها.

وإن كانت من أجنبي أخذ (1) لها أرش، فإن المشهور من المذهب أن الأرش للبائع لكون الملك لم يتحقق خروجه من يده، فعوض ما تلف منه عائد إليه. وإذا كان ضمان هذا المبيع منه، كان له نماؤه وعليه نقصانه.

وذهب ابن حبيب إلى أن الأرش للمشتري إذا أمضي له البيع، بناء على ما قدمناه من الخلاف في كون بيع الخيار معقودا حتى يحل بالفسخ، أو مترقبا، فإذا وقعت الإجازة قدر كأن العقد لم يزل مجازا من وقت التراضي. ولكن هذا التخريج يقتضي أن العبد إذا مات في أيام الخيار فأجيز البيع بعد موته فإن ضمان العبد من المشتري، لأنه يقدر أيضا كأنه مات بعد حصول انعقاد منبرم. ولكن هذا لم يذكره ابن حبيب ولا صار إليه، وكأنه قدر أن هذا الإختلاف في كون بيع الخيار منعقدا أو غير منعقد أو مترقبا إنما يتصور مع بقاء عين المبيع ووجود الغرض فيه، فإذا صار عدما لم يكن هناك شيء يخير فيه. ولعل ابن القاسم سلك هذا المعنى في قوله: إن أرش الجناية للبائع؛ لأنها أيضا ثمن عضو قد عدم. وعلى مقتضى هذا قال الأشياخ: لو كان الخيار للمشتري وجنى جناية خطأ ثم قبل المشتري، فإن أرش الجناية للبائع، ويكون المشتري كأجنبي في هذا، لما قدمناه من التعليل. هكذا نص عليه ابن الكاتب وغيره من الأشياخ.

هذا حكم الجناية على العبد في أيام الخيار.

وأما لو كان العبد المبيع بالخيار هو الجاني، فإن لسيده أن يسلمه. فإن أسلمه والخيار له، عد ذلك ردا للمبيع. وإن افتداه عاد العبد إلى ما كان عليه من الخيار لبائعه في أن يمضي البيع على المشتري أو يفسخه. لكنه إن كانت الجناية عمدا صار ذلك عيبا في العبد المبيع، وللمشتري أن يمتنع من القبول لحدوث هذا العيب.

وأما إن كان الخيار للمشتري وافتداه سيده، فإن المشتري باق على خياره في أن يقبل العبد أو يرده، كحكم ما قدمناه في العيوب الحادثة في أيام الخيار.

وإن أسلمه سيده، والثمن أكثر من قيمة الجناية، فإن للمشتري أن يدفع الثمن فيأخذ منه المجني عليه قيمة جنايته، ويكون ما فضل من الثمن لسيد العبد. وليس لسيد العبد أن يمنع من ذلك لكونه في منعه من ذلك مسقطا لما ثبت من حق المشتري في القبول للمبيع، ومضرا بنفسه في إبطال دنانير يأخذها، وهي ما فضل عن قيمة الجناية، ولا غرض صحيح في الامتناع من هذه الفضلة من الثمن.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٤٨