تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما وطء المشتري لها، والخيار له، فإنه يرتفع الحد. ولو قلنا بأحد الأقوال الثلاثة من أن بيع الخيار لا ينتقل فيه الملك للمشتري إلا عند إمضاء البيع؛ لأن وطأه وقع بشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.

وقد ذكر في الموازية فيمن باع أمة واحتبسها بالثمن، ثم وطئها بائعها، أن الحد يدرأ عنه بالشبهة، لأجل الاختلاف في كون ضمانها منه أو من

المشتري. ورأى أن هذا الإختلاف في الضمان شبهة، مع كون الملك قد انتقل للمشتري انتقالا محققا بغير خلاف. فما اختلف فيه، هل هو باق على ملك البائع أم لا؟ أحرى أن يسقط فيه عن الواطىء لكونه قد ملك (1) من وطئه، على أحد الأقوال.

وهكذا حكى أبو الفرج عن مالك فيمن اشترى أمة بالخيار له، فوطئها البائع، أنه لا حد عليه.

ولو حملت من وطء البائع الذي وطئها، والخيار للمشتري خاصة، أو من وطء البائع المحتبس لها بالثمن، لجرى حكمها حكم الأمة المستحقة إذا استولدها مشتريها. وقد أشار أبو حامد الإسفراييني إلى ارتفاع الخلاف في الحد، على الأقوال الثلاثة في الملك في بيع الخيار، وأجرى الخلاف في الولد على حسب مقتضاها، على الطريقة التي أريناك من تخريج الخلاف في العتق عليها.

وأما لو وطئها المشتري والخيار له خاصة، فإنه لا خلاف عندنا في أن ذلك رضي منه، كما قلناه في إعتاقه لها.

وبين أصحاب الشافعي اختلاف في كون الوطء الواقع من المشتري رضى بإجازة البيع أم لا؟ فذهب أبو سعيد منهم إلى أنه رضى منه كالعتق. وذهب أبو إسحاق إلى أنه ليس برضى بخلاف العتق. وفرق بينهما بأن الموطوءة يمكن ردها إلى الملك، والمعتقة لا يمكن ردها إلى الملك، فلا يعد وطء مشتريها

بالخيار رضى بالبيع.

ونحن كنا قدمنا أن المعتمد على ما تقتضي العوائد كونه علما على الإجازة أو الفسخ وسواء في ذلك البائع أو المشتري.

وأصحاب الشافعي متفقون على تسليم هذا لنا في جنبة البائع ومختلفون في المشتري. فمنهم من أجراه مجرى البائع على حسب ما صرنا نحن إليه.

ومنهم من يجريه مجراه إلا فيما لا يمكن رده إلى الملك كالمعتق. وإما

يمكن (1) رده إلى الملك فإنه لا يكون رضي كالوطء والبيع.

واعلم أن المذهب عندنا على قولين في البيع إذا وقع من المشتري بالخيار، هل يعد ذلك رضي منه بالإجازة، أو لا يعد ذلك منه رضي بالإجازة؟ كما حكاه في المدونة عن ابن زياد عن مالك: أنه لا يبيع حتى يختار. فإن باع فإن البائع بالخيار في أن يرد بيعه أو يجيزه ويأخذ الثمن الذي باع به المشتري.

وأنكر سحنون تخيير البائع المذكور في هذه الرواية، وإنما سلم منها كون الربح الذي يحصل للمشتري يستحقه البائع. ولم يسلم تمكينه من فسخ البيع إذا أقر أنه باع قبل أن يختار. وأما إن زعم أنه لم يبع إلا بعد أن اختار، فإن القول قوله مع يمينه ويكون الربح له.

واعتل ابن المواز في منع المشتري من الربح بأن تمكين المشتري منه منهي عنه للحديث الوارد بالنهي عن ربح ما لم يضمن (2).

وقد ذكرنا عن أصحاب الشافعي أن عندهم قولين في بيع المشتري بالخيار، هل يكون رضي بالإجازة أم لا؟ كما حكينا الخلاف فيه أيضا عن مذهبنا؟ وقد يهجس في النفس أن الخلاف إنما وقع عندنا في البيع، هل يكون رضي أم لا؟ لكون المبيع بالخيار مما يمكن رده بعد أن يباع، على حسب ما حكيناه عن بعضهم في تعليله المنع من كون الوطء رضي بخلاف العتق. وسلوك هذه الطريقة تقتضي أن يكون عندنا اختلاف أيضا في وطء المشتري. لكن العذر عن هذا عندي أن وطء المشتري لها يوجب المنع من ردها على بائعها حتى يستبرىء. فقد صار المشتري أحدث ما منع من ردها، فأشبه ذلك العتق المتفق على أنه رضى لكونه مانعا من الرد. وإن كان العتق يمنع من الرد منعا مؤبدا، والوطء يمنع منه منعا مؤقتا، وقد يكون مؤبدا إن حملت من الوطء.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٤٦