وقد أشار بعض الأشياخ إلى فرق آخر، فقال: إن المشتري إذا اشترط رضي فلان، فإنه يمكن أن يكون اشترى له شراء وكالة. وإذا اشترى له شراء وكالة على أن الخيار له، فإنه لا يختلف في أنه لا يتحكم في هذا دون من اشترى له هذه السلعة على الخيار. وإذا كان فعله محتملا لوجه يتضح أنه لا ينفرد فيه بالخيار، حمل على كونه لا ينفرد بالخيار على الإطلاق. والبائع لا يتصور هذا فيه غالبا لأن السلعة في يديه، واليد دليل الملك، والإنسان إذا باع ملك نفسه، فلا يقال: إنه باع ذلك لغيره.
فأنت ترى كثرة هذا الإضطراب في ضبط المذهب. وإنما ذكرناه حتى يتحقق عندك ما قدمناه من كون المذهب قد يعسر ضبطه في هذه المسئلة على التحقيق.
ولو لم يجعل للثالث إلا المشورة، فإن الظاهر من المذهب أن هذا الإشتراط لا يلزم مشترطه لإشعار المشاورة بجواز المخالفة. بخلاف أن يشترط رضاه أو خياره.
ونقل الشيخ أبو محمد بن أبي زيد أن ابن مزين حكى عن ابن نافع أنه يرى لفظ المشورة كلفظ الخيار والرضا.
وتعقب عليه هذا النقل بأن الذي ذكر ابن مزين عن ابن نافع أنه باع على مشورة فلان، على أن فلانا إن أمضى البيع بينهما، وهذا يقتضي وقف البيع على اختيار فلان، بخلاف اشتراط المشورة لفظا مطلقا غير مقيد بما ذكرناه.
وقد قال الشيخ أبو سعيد بن أخي هشام: لو مات الثالث المشترط له الخيار لا يفسخ البيع، لكونه موقوفا على رضي رجل يستحيل بعد موته أن يعلم رضاه. وهذا الذي قاله إنما يتخرج على أحد الطرق التي قدمنا، وهي كون الحكم يقتضي قصد الإمضاء والإجازة على اختيار هذا الثالث.
وقال بعض الأشياخ: لو وكل رجل رجلا على أن يشتري له فاشترى له الوكيل على خيار آخر - لم يجز ذلك لأنه كوكالة منه، وليس للوكيل أن يوكل.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال: إذا أمر رجل رجلا أن يشتري له سلعة على البت فاشتراها، واشترط على بائعها أن يريها لغيره، فضاعت بيد هذا المأمور. فإن مالكا ذكر في الموازية أن الضمان من الأمر (1). وقدر أنه لو اشتراها على البت على حسب ما أمره من وكله، لكان ضمانها من الآمر. فإذا اشترط للآمر الخيار فما زاده إلا خيرا.
وذهب ابن المواز إلى كون الرسول متعديا، يكون ضمانها منه لمخالفة أمر الآمر. إلا أن يكون بين للبائع أن فلانا بعثه ليشتري له ما اشتراه، فإنه يسقط الضمان عن هذا الرسول ويكون ضمانها من بائعها. وهذا الإختلاف الذي وقع بين مالك وابن المواز قد ينصرف إلى أن اشتراط الخيار يفتقر فيه إلى زيادة في الثمن، فيكون هذا تعديا على الآمر لكونه لو لم يشترط الخيار لاشتراها بأقل مما اشتراها به، أو يكون لا زيادة في الثمن لأجل الخيار، فيكون الحكم ما قاله مالك لا سيما على طريقة من رأى أن اشتراط ما لا يفيد لا يقضى به.
وقد عورض ابن المواز في قوله: إن الضمان من البائع، إذا أعلمه المشتري بأنه وكيل، لأجل أن إعلامه بأنه وكيل لا يسقط تباعة البائع عنه، إلا أن يصرح بأنه رسول لا تباعة عليه. فيقول: أرسلني فلان إليك لتبيع منه. وقد جرى بالقيروان قديما سؤال يتعلق بهذا ذكره عمرون في كتابه وغيره. وهو أن السماسرة إذا طاف أحدهم بالسوق وقد أمره رجل بأن يشتري له سلعة، فقال: من عنده كذا؟ سلعة سماها. فاستدعاه أحد التجار فأعطاه ما طلب، فضاع في يد السمسار. فقيل: إن ضمانه من الذي أرسله لأنه وكيل له وليس بوكيل لدافع السلعة إليه. والفقه في هذا يتضح إذا اتضح من هو وكيل له. والذي يتحقق أنه وكيل له، يكون الضياع منه.
والجواب عن السؤال التاسع أن يقال: الخيار يقتضي كون من هو له الإجازة أو الرد. وذلك يكون منه بالنطق والنص على أحد الوجهين. فإن كان منه الأمر كذلك، فلا خفاء بأنه يقضى بمقتضى ما اختار. أو يكون ما يدل منه على أحد الأمرين، وذلك على وجهين ترك وفعل.